ثقافة وفنموضوعات رئيسية

تبادلية اللغة والفكر في تاريخ الفلسفة رحموني عبد الكريم: /

المقدمة:

   تتبوأ اللغة مكانة في تاريخ الفكر  الإنساني الفلسفي لا يدانيها فيها إلا الفلسفة ،  فهي نسق وظاهرة ، تشير إلى الأشياء الخاصة المادية وتجردها في أصوات أو خطوط تغني المتكلم أو القارئ عن إحضارها . وعندما نتأمل في صورها وأشكالها نجد أنها من التنوع بحيث يصعب حصرها في كيفية واحدة : فالكلام لغة، والإيماءات لغة والموسيقى لغة ، وهي بهذه الكيفيات تراث يرتبط بكينونة الكائن وحضارة الإنسان. ومن هنا ارتبطت اللغة دوماً بطبيعة متميزة وأهمية خاصة « فاللغة تدخل بطريقة جوهرية في الفكر والفعل والعلاقات الاجتماعية». [1]  وفي رحلة البحث عن بيان طبيعتها، والكشف عن أهميتها وَجَب أ ن نتجه للإنسان المغمور بوجود الغير ، كيفما اتجه ، حتى في انزوائه الصامت من هنا تنطلق اللغة ، تنبثق من وجدانه  ، فجبل المرء أصلا كمخلوق لاغ ، يتكلم ويخاطب ، يكتب ويعبر ويرسل المعاني و لا يتحقق هذا إلا بالعقل المحكم والفكر المتميز من هنا كان الارتباط وثيقا بين اللغة والفكر وحول هذه المسألة البالغة التعقيد تضارب الفلاسفة وعلماء اللسانيات وعلماء النفس كذلك فاختلف بين مؤيد للكلمة تعبر عن الفكرة ومعارض للطرح السابق فالمعرفة اللغوية للمتكلم لا تعبر عن القدرات والمهارات العقلية للمفكر .

وعليه نثير التساؤلات الآتية : هل بإمكان اللغة تحمل الفكر ؟ هل المعاني تعبر عن مستودع أفكارنا ؟

ad

أليس الفكر أسبق من اللغة ؟

  • الفكر أشمل و أسبق عن اللغة:

الإجابة عن معضلة الفكر أسبق من اللغة عند أنصار الاتجاه الثنائي دعاة التمييز إذ يعتقد هؤلاء أنه من الضروري وضع حدا فاصلا بين الفكر واللغة. إذ أن للكلمة وجود اجتماعي موضوعي مستقل عن فكر الفرد لكونها أداة تواصل. ومن المدافعين على هذا الرأي نجد كل من : أفلاطون الإغريقي في الحضارة اليونانية ، وأب الفلسفة الحديثة رونيه ديكارت الفرنسي ، صاحب كتاب مقال في المنهج ، وفيلسوف الإرادة الألماني شوبنهاور ، وصاحب الاتجاه الروحي الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون .

حسب أصحاب الفصل يمكن القول أن اللغة فشلت حيال الفكر ، فهي عاجزة أصلا عن أن تلتقط بأمانة متناهيات الوجدان ، فدهب الأدباء والشعراء والمتصوفة للقول بأنها لا تظهر مكنونات الفكر .

يقول الفيلسوف برغسون (1859-1941) :  »إن اللغة ترغمنا على أن نجعل بين أفكارنا الشقوق عينها ، والفوارق الجلية ».

إنه لمن الصعوبة بمكان أن نرضى بموقف يفصل الفكر عن اللغة باعتبارهما جوهرين مختلفين، فبرغسون الفرنسي استعمل اللغة القوية للتعبير في العديد من مؤلفاته: المادة والذاكرة، التطور الخلاق، الفكر المتحرك، وحصل على جائزة نوبل للآداب عام 1927 و رغم إقراره بقصورها.

  • عدم أسبقية للفكر عن اللغة:

        هناك فلاسفة آخرون يرفضون كل تمييز جوهري بين اللغة والفكر ، ولا اختلاف بين المبنى والمعنى ، فاللغة التي لا تعني شيئا، ليست بلغة. وإن الفكر ، الذي لا ينزع إلى اللغة ، ليس بفكر إذن أين الخط الفاصل بينهما .

ومن أهم دعاة الموقف الأحادي الاتصالي نجد : الظواهري موريس ميرلوبونتي Maurice Merleau-Ponty الفرنسي (1908- 1961)، ودو لا كروا  De la croix(1798- 1863).

كما يستند دعاة هذا الموقف إلى حجة دامغة، يقول المفكر الرسام الفرنسي دو لاكروا : « اللغة ليست ثوبا خارجيا يرتديه الفكر حينما يرغب في الخروج من بيته ، بل هي جسده ». وهنا استحالة الفصل بين الفكر واللغة ، فالذين ينهلون باللائمة على قصور اللغة وهم الشعراء والأدباء والصوفية نقول لهم إن شعور الإنسان بالحاجة إلى  التعبير، يزيد كلما غور الفكر، في أعاميقه الغامضة ، فلم نعثر على شاعر واحد ولا صوفي واحد ، استطاع أن يتنازل عن قلمه رغم عجز اللغة ، فنجده يكتب ويعبر عن أفكاره.

لكن في بعض الأحيان وفي الحالات الشعورية (الفرح، القرح، النجاح ) نجد اللسان يعجز عن التعبير، وكثيرا ما نشطب الكلمات ونعيد كتابتها من جديد وهنا عجز اللغة حيال الفكر.

ما يمكن قوله ليس هناك قحط بين الكلمة والفكرة، ولا قصور اللغة على أن تحمل الفكر وتعبر عنه بل عجزنا نحن عن التعبير على أفكارنا لعدم امتلاك رصيد لغوي ثري نستعمله بغية التعبير على ما يجول بخاطرنا.

وعليه يبدو أن اللغة ليس مجرد أداة تعبير بل هي أداة تفكير ، فليس هناك وجود فكر مستقل عن الكلمات التي تنظمنه ، يقول شاعر الحب والجمال لا مرتين الفرنسي : « يبدو أن المرء موجه منذ البداية نحو الكلام، لقد خُلق ليلد الأفكار كما وجدت الشجرة لتلد الأثمار ». فالفكر مرتبطا باللغة لان المبنى الواضح وليد المعنى الواضح.

قائمة المراجع:

  1. نعوم تشومسكي: اللغة ومشكلات المعرفة، ترجمة: حمزة بن قبلان المزيني، دار توبقال، الدار البيضاء، طبعة أولى، 1990.

باحث من الجزائر.

[1]  نعوم تشومسكي: اللغة ومشكلات المعرفة، ص: 13

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى