ثقافة وفنموضوعات رئيسية

ثوار القناة 3/ محمد اسحاق الكنتي

صعد الثلاثة إلى السيارة فانطلقت مسرعة عبر طرق جانبية لتفادي الحواجز الأمنية. عند بزوغ الفجر دخلوا قرية لا تزال شوارعها مقفرة. ترجلوا من السيارة داخل بيت متواضع. بعد الصلاة، انزوى نضال بعيدا عنهما ليتحدث في هاتف الثريا، ثم عاد إليهما.. توجه إليه صابر..
– افتح التلفاز، لنسمع الأخبار..
تجاهل نضال الطلب، ثم قال..
– اسمع يا صابر! ستتصل بك القناة الآن.. وعليك الاستماع إلى نصائحهم، فهم أصدقاؤنا، وأصدقاء كل الثورات.. رن هاتف الثريا.. دفعه نضال إلى صابر وهو يحثه…
– نفذ ما يقولونه لك حرفيا…
وقف قريبا منه أثناء المكالمة يراقبه… عانقه بقوة..
– أحسنت، أحسنت.. الآن يمكنك أن تنام.. سأعود بعد ساعة.
عاد نضال، فوجد صابر وابنه يغطان في نوم عميق، أيقظهما وقدم لهما الإفطار…
– كان تصريحك يا صابر قويا. ستبثه القناة بعد ربع ساعة.. أصبحت زعيما للثورة.. سيرفع ذلك من معنويات الثوار…
كان صابر منشغلا بالتهام الإفطار المتواضع.. أوقد نضال جهاز التلفزيون…
– أيها المشاهدون الكرام.. ضمن تغطيتنا المتواصلة لأحداث الثورة نستضيف على الهواء مباشرة الأستاذ صابر أحد القادة البارزين للثورة.. فمن الثانوية التي يديرها انطلقت المظاهرة التي قمعها الأمن بوحشية…
– الأستاذ صابر، هل تسمعني؟ أنت على الهواء مباشرة…
– هل صحيح أنكم قررتم الانتقال بالثورة من مرحلة المظاهرات السلمية المطالبة بالديمقراطية وإطلاق الحريات، بعد ما تعرضتم له من قمع، إلى مرحلة حمل السلاح دفاعا عن النفس لإسقاط النظام؟
– الثورة لا بد أن تنتصر من أجل الديمقراطية والحريات.. نحن سنضحي بكل غال ونفيس للدفاع عن أنفسنا وإسقاط النظام…
– كيف ستواجهون الجيش والشرطة؟
– بصدورنا العارية.. سنهزمهم، سنسقط النظام.. نطالب المجتمع الدولي بتوفير الحماية لنا من النظام الذي يرتكب كل يوم أفظع الجرائم.. يقتل الأطفال والنساء ويسجن الرجال…
– كم عدد الضحايا الذين سقطوا حتى الآن؟ وهل صحيح أن الجيش يعتقل الجرحى في المستشفيات؟
– نعم. نعم. الشهداء بالعشرات، والمئات والآلاف.. النظام يبيد أحياء بأكملها.. نطالب بحماية دولية.. الثوار صامدون، المظاهرات في كل المدن، وفي كل الأوقات.. أناشد المدن والقرى التي لم تنتفض حتى الآن سرعة الالتحاق بالثورة…
بعد انتهاء المقابلة أخذهما نضال إلى أحد معسكرات الثوار. ارتديا الزي العسكري والتحقا بدورة تدريب على استعمال السلاح. لم ير نضال منذ ذلك اليوم. عاشا حياة العسكرية معا. كان التدريب صارما، والانضباط كاملا حد القسوة. عاش صابر القلق والخوف طوال تلك الفترة. كان مقطوعا عن العالم، لا يجد من الأخبار إلا ما يبثه قائد المعسكر عن انتصارات الثوار، وهزائم النظام… لاحظ أن أغلب الذين يغادرون المعسكر لا يعودون، ثم جاء الدور على ابنه جمال، الذي ينادونه في المعسكر جميل… كان قلقا عليه. مضى أسبوع ولم يعد.. كان ينتظره كل مساء، لكنه لم يجد الشجاعة ليسأل قائد المعسكر عن مصيره.. تمنى فقط أن يأتي الدور عليه ليلتحق به…
احتمى خلف الساتر الترابي. وضع أصبعه على الزناد بيد مرتعشة وانتظر.. كان يطلق النار محاكاة للآخرين، ويندس في الساتر أكثر حين يتعرض لوابل من الطرف الآخر.. قضى يومه الأول في الجبهة على هذه الحال. كاد يموت من الرعب في اللحظات الأولى. مع مرور الوقت أصبح الأمر مجرد روتين.. يطلق زخة من مدفعه الرشاش، مع الآخرين، ويحتمي من نيران “العدو” مثل الآخرين… في اليوم الثاني لقي ابنه جمال مع بعض الثوار.. أراد أن يحضنه بلهفة لكن ابنه مد له يده من بعيد. أمسكها بقوة.. أراد أن يبقيها فترة أطول لكن ابنه سحب يده بحزم واستدار ليبتعد مع رفاقه.. نظر إليه وهو يبتعد داخل الخنادق… كانت ضفائر شعره الطويل آخر ما توارى منه… أدرك أنه خسره إلى الأبد… عاد إلى خندقه ليستأنف الروتين… لكن مشكلته الحقيقية كانت في قضاء حاجته.. لم يستطع فعل ذلك في الخندق، كما نصحه رفاق السلاح.. حاول مرة، أو مرتين، فلم تطاوعه نفسه.. أصبح الأمر ملحا.. لا بد من إيجاد حل.. تسلل، تحت جنح الظلام إلى الخلاء..كان الأمر مؤلما، لكنه أفلح في التخلص من الضغط الشديد. عاد إلى الخندق أكثر انتعاشا فغط في نوم عميق… عاودته الحاجة في الليلة التالية فسلك نفس الطريق… سمع فجأة قرقعة سلاح يسحب. نظر إلى يمينه فرآه منتصبا أمامه على بعد خطوات منه. حاول أن يسحب فارتعشت يده…

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى