احباط…………..”ذاكو وينهو”

إعلان

جلس في قاعة الانتظار….تذكر الايام الخوالي .تذكر ساحة الثانوية العر بية وكيف كانوا يقضون دقائق الراحة في صراع دائم مع الحارس محمد سالم الذي كان يقول للتلاميذ ( لماذا تدرسون ولن تصبحوا جميعا رؤساء )وصاحب الحديقة الذي نسي اسمه..وكانوا يسرقون عليه الكاروت والنعناع.. تذكرايام مدينR ومدين G ومدين “بوش” حيث تخرج اكبر ساسة البلد من الجامعات السياسية المختلفة التي تسمى خلايا التكوين العقائدي..
استحضركل شيء….ايام النضال في التنظيمات السرية في الزمن الجميل زمن الايمان والمبادئ والتضحيات…ايام كانوا يصرفون على السياسة من جيوبهم بلوازم شهرية متواضعة يدفعونها عن طيب نفس … تذكر انواكشوط المدينة الصغيرة النائمة بين احضان الرمال ودفء المحيط الاطلسي…كل شيء هادئ وجميل…
تقلك تاكسي من “كابتال” الى “سيزييم” بعشر اواق….واذا مررت غرب سوق العاصمة قرب حوانيت “اهل بوفلان” رمتك “مريم الرجاله” بكلمات فيها احراج شديد….واذا ارتايت حضور امسية شعرية او محاضرة للمرابط محمد سالم ولد عدود يعلق عليها الشيخ حمدا ولد التاه في دار الشباب القديمة التقيت استاذ الفلسفة “بادو” بسرواله القصير يمص عنفقته خارجا او داخلا في (راسينك اكليب ) ليلعب التنيس مع بعض الفرنساويين…
واذا احببت ان يلتقط لك مونديال فوتو صورة قرب police des accidents
لا بد ان تمر على مقر مصلحة البكالوريا Office du bacلترى رئيس المصلحة G.FROID ببطنه المنتفخ المتحدي ..
تذكر اصدقاء الدراسة..مطرب الفصل..مشاغب القسم..رئيس القسم..فكاهي الفصل..تذكر زملاء السياسة..وكيف كانوا يحلمون بتوحيد الامة وتحرير فلسطين..
بعض هؤلاء اصبح يشغل مناصب سامية في الدولة…. وزراء..ولاة..قضاة..مديرين كبارا..عقداء في الجيش والدرك..
وبعضهم تعثرت لياليه فأوردته اودية الظلام …انشغل بالتخصص في انواع “ركل” المدرة والمضرة…وانواع العقاقير المبيدة لقمل العجول والخراف االمجور عليها في الخريف والمختنقة ببرد كانون الاول كل ذلك لا عن دراسة علمية بل رجما بالغيب وابحارا متواصلا في متهات الفراغ والبطالة..
وذات يوم اراد ان يوقظ بعض ذكرياته القديمة …سولت له نفسه ان يزور واحدا من هؤلاء ليجترا معا “حكايات زمان”..رمقه العقيد بطرف عينه وودعه قبل اكتمال نشيد السلام عند “البيظان..اياك لباس…اشطار كاع…ايو شريتو طار) الذي كان يردد من جانب واحد…ودعه قائلا مر على الكاتبة….
لم يتمالك غضبا وقال “اميسى” تظنني جئتك متسولا؟ ياخسارة …يا سيادة الكولونيل …
ذهب الى الوزير “سيداتي” فتذكر الليالي الثلاث التي قضاها نيابة عنه في مخفر الشرطة وكيف كان غلمان الشرطة المبتدئون يجربون فيه “الجكوار” واطفاء اعقاب السجائر على اكتافه لينتزعوا منه اعترافا بقيادة “سيداتي” لمظاهرة السوق الشهيرة….تذكر ان “سيداتي” كلف بالوقوف قرب بائعات “امنيجه” ليراه بعض من يعرفونه فيشيرون الى من هم دونه رتبة بمكان الانطلاق….لكنه في ءاخر لحظة تمارض وكرر الدخول الى المرحاض ليوهم انه يعاني من الاسهال….لكنه اسهال سواويط شرطة المفوض(ٍك) الذي كان يتلذذ بتعذيب المعتقلين من التلاميذ والطلبة……
وجده قابعا في جوف كرسي فخم وثير يكاد يبتلعه….بالاجهاد الشديد تلامس قدماه الارض…هو “سيداتي” الصغير بحجمه العملاق بعقله وتعاليقه وطرفه ثم باحلامه ..تذكر كيف اخبرهم ان والدته بعثت اليه رسالة تقترح عليه فيها ان يتزوج باحدى قريباتها وكان وقتها في باريس وكان كثير المقارنة بين رشاقة الفرنسيات واناقتهن وخفتهن وبين الموريتانيات ضحايا السمنة…قال انه اجاب والدته ان عليه اذن الانتظار حتى يتمكن من استجلاب “اكرادير”…واخشاب وبندقية وكلاب بوليسية….
…كان يقول في جلسات النقاش انه لا بد من ثورة عارمة لا تبقي ولا تذر تقتلع ازلام المستعمر من حكام وتلقي بهم في مزبلة التاريخ ..وان الطريق الى القدس هو بحر هائج مائج من دم الفدائيين الابطال من ابناء الامة العربية وفي مقدمتهم ابناء شنقيط الخالدة تقضي على اليهود الملاعين حفدة القردة وقتلة الانبياء!!!..
جلس احمد ينتظر ساعات انس تنسيه جفاء “اميسى” وتنكره المخزي للزمالة وايامها الحلوة….
ظل “سيداتي” يهتز في مقعده الدوار كانه جان ….نظر الى ساعته…ضغط على منبه الكاتب الذي بادره قائلا : السيد الوزير موعدكم مع السفير الاسرائيلي قد حان…فقال “سيداتي” : صحيح وتلك امة عظيمة ومحترمة وتحافظ على دقة المواعيد…ثم التفت الى احمد قائلا:
bon ok à plus tard …
فاجابه احمد:
OK à plus tard espèce de batard
…واردف :وعند اسرائيل كثير من الجرافات والكلاب البوليسية
..تذكر المناضل الكبير “مولاي”الذي كان من القلائل المكلفين بتوزيع المناشير السرية والكتابة على الجدران….ايام كانت تلك المناشير وتلك الكتابات الليلية على الجدران والصراع الدائم مع العسس من الشرطة ابلغ بيانا واسلم لغة وانفع للجماهير من كثير مما ينشر اليوم في ظل الفوضى الاعلامية المدمرة…
“مولاي” رغم تضحياته واخلاصه لم يفلح في استجلاب وظيفة….هو خياط يؤجر جزءا من ظل حانوت في “كابتال”..لكنه واثق من نفسه …هو هو كما عرفه ايام مدين R باسم المحيا حلو الحديث لم تستطع شهب الليالي ان تنال من جوده وسخائه…تعانق الرجلان…وما احوج احمد الى عناق صديق…وقد شعر بالاحباط ….
قال مولاي معلقا على احاديث احمد : يا صديقي احمد…الموريتاني الا من حفظ الله”الا كيف السلال ابلا صاحب” فصديق الوزير هو الوزير وانت لست وزيرا وسيداتي وزيرا ليس سيداتي مناضلا حالما في بيوت الاحياء الشعبية…وصديق العقيد هو العقيد فموسى عقيدا ليس موسى رفيقا في تنظيم سري ….في بلادنا صديق الوزير هو الوزير وصديق العقيد هو العقيد وصديق المدير هو المدير وصديق الوالي هو الوالي….الخ…لكنهم جميعا ينسون الضغط على (حفظ) وهكذا تنتهي الصداقة بانتهاء الوظيفة…
شربا شايا عذبا واكلا لحما طريا على قارعة الطريق احرارا في الهواء الطلق وقلب نبض الشارع الذي يحكي كل شيء.. نعما باحاديث الحمالين والعامة واصوات ضحكاتهم التي تكاد تزلزل السوق..ثم سعدا وهما يستمعان الى هؤلاء البسطاء احرارا في احاديثهم يتلفظون بالمناطق الداخلية من الجسد واسماء العورة بعيد ا عن “ابروتوكول” كبار المسؤولين المسجونين بين جدران مكاتبهم ….

إعلانات
شارك