النانه الرشيد تكتب عن الحر وصلاة التراويح والمساجد في مخيمات الصحراويين

مخيم بوجدور (جنوب الجزائر) خاص لـ “مورينيوز” – حرارة شهر يونيو تشتد، و يلهبها عمق دلالاته و رمزيته ، فهو شهر الشهداء .. الشهر الذي رحل في أسبوعه الثاني مؤسس حركة التحرير المجيدة الولي مصطفى السيد، قبل واحد و أربعين عاما من اليوم .. يوم ارتقىت روحه شهيدا في ساحة الوغى ..

إحياء المناسبات  أثناء يوم الصيام الحار ينهك جسديا، لكنه يرسخ بالنفس مقاصد الإيمان المتشعبة..الإيمان بالله و الحرص على تأدية عباداته المفروضة، إيمان بالقدر حلوه و مره. و من أقدارنا اللجوء و المنافي و الكفاح من أجل استرجاع وطننا المسلوب؛ و من الطلاوة التي يستطيب المرء سريانها بروحه؛ رضاه أن مزج بين فروض دينه و واجبات دنياه النبيلة، و ناغم بين الشعائر الدينية و القيم الوطنية …

أصبحت مساجد بوجدور أربعة، بعد أن كان  يوجد واحد  فقط… في ليلة صاحية و إن كانت حارة يسمع رجع قراءة القرآن في صلاة التراويح، و يمتزج صوت إمام مسجدنا بصوت إمام مسجد دائرة ٢٧ فبراير .. فناء المسجد رحب، لكنه غير منسق البنيان، يرتفع بمناحي و ينخفض بأخرى، و تتطاول كثيبات رملية متطفلة ببعض الزوايا، حتى أنه يمكن لبعض المصلين تجاوز الجدار القصير دون عناء .

قبل الصلاة، ما بين الأذان و الإقامة، يقيم الإمام درسا  جول فقه العبادات، غير أن المصليات لا يعرن اهتماما كبيرا للدرس المقدم و كثيرا ما ينشغلن بأحاديث تافهة، يتحدثن عن الزواج و الطلاق و الحرارة و تعب الصيام و ينهرن الأطفال السعداء بمشاركة ذويهم الصلاة ليلا .

لم أصادف لحد الآن إماما يحرص على تفقيه النساء في أصول الصلاة الجماعية و آداب المسجد. و لا أظن الأئمة انتبهوا لصفوف النساء المختلة أثناء الصلاة ، فبالكاد تجد ثلاثا أو أربعا يقفن في خط مستقيم.. و قد حاولت أكثر من مرة دعوتهن لرص الصف و استقامته دون جدوى.. كن ينفضن يدي كلما أمسكت بأكتافهن محاولة تقريب بعضهم لبعض، و ينظرن لي برفض و استغراب .

بمسجد دائرة ٢٧ فبراير تتقبل النسوة نصائح السنية أحمد مرحبا فقط، (والية وأمينة عامة سابقة النساء في الجبهة) فهي تنشغل عن بداية الصلاة بتنظيم الصفوف، و يستجبن للأمر دون عناد ، ربما لأنها شغلت لسنوات مسؤولية مخيمهن، أو لأنها حجت بيت الله الحرام، و أصبحت محل ثقة فيما تأمر به .

الصلاة بالنسبة للصحراويين عبادة لا محل للمزايدة فيها، و مثلهم الشائع ” ياسر من الجهل دون ترك الصلاة “، أي أنه أمام الإنسان آثام عدة قد يرتكبها، ما عدا تركه صلاته .. وعلى طول الطرق الرابطة بين المخيمات تنتشر المُصٓليات الصغيرة المرصوصة بالحجارة، و تشهد صلاتا العصر و المغرب ذروة انتشار المصلين جماعات قليلة العدد، متفرقة بتباعد نسبي، على طول الطريق.

،مؤذن مسجدنا جاري، و ينبهني مروره من أمام منزلي لقرب موعد الإفطار و الصلاة.. و أفضل و أبنائي الذهاب إليه سيرا على الأقدام رغم بعده منا . يتوسط مسجدنا خيما و منازل.. و أثناء الصلاة لا تهدأ سيارات الدرك الوطني و الشرطة عن عبور المخيم جيئة و ذهابا، و تشوش حركة سيارات الدرك أكثر  فهي تمر مسرعة، منذرة بخطب ما . و يخترق مسامعنا بكاء رضع و صبيان، يلتحف ذووهم ضوء القمر، طلبا للهواء العليل بعد يوم قائظ .