سعد الحريري السياسي المكبل بالاغلال الخارجية

بيروت (رويترز) – لم يسلط شيء الضوء على الأغلال السياسية التي كبلت سعد الحريري أثناء عمله رئيسا لوزراء لبنان مثل الطريقة التي استقال بها في بيان بثه التلفزيون من السعودية

كل قرار مهم من السياسي الهش حددته عوامل خارج نطاق سيطرته. فقد دخل عالم السياسة بعد اغتيال والده رفيق الحريري في 2005 وخدمت استقالته جدول أعمال الرياض.

ولا يمثل اعتماد الزعماء السياسيين على رعاة خارجيين أقوياء شيئا جديداً في لبنان الذي لطالما كان ساحة تتعارك فيها قوى إقليمية مثل السعودية وإيران على التفوق الجيوسياسي.

لكن قضية الحريري، الذي يعتقد كثير من اللبنانيين أنه استُدعي للعاصمة السعودية وأجُبر على الاستقالة وُوضع رهن الإقامة الجبرية- وهو ما نفاه الحريري- تسلط الضوء على نموذج متطرف للضغط الخارجي حتى بالمعايير اللبنانية المرتفعة.

وفي مقابلة يوم الأحد قال الحريري إنه سيعود إلى لبنان خلال الأيام المقبلة وربما يعيد النظر في استقالته. لكن حتى إذا فعل ذلك، فإن أحداث الأيام العشرة الأخيرة تظهر كيف ستظل القرارات التي اتخذت خارج حدود لبنان تحدد دوره.

وتضمن بيان الاستقالة المفاجئ يوم الرابع من نوفمبر تشرين الثاني، والذي أوقع لبنان في أزمة سياسية جديدة، قائمة طويلة من الشكاوى السعودية بشأن سلوك إيران وحزب الله حليفها في لبنان.

وقال الحريري إن إيران وحزب والله يزرعان الفتنة في العالم العربي.

ولكونه حليفا للرياض في وقت يشهد صعودا لأعدائها، كان الحريري بالفعل يشارك في لعبة السياسة المعقدة في لبنان من موقف ضعف.

فقبل نحو عام وبعد قضاء سنوات بالخارج وافق على الانضمام إلى حكومة وحدة وطنية مع الرئيس ميشال عون، وهو خصم سابق وحليف لحزب الله الذي انضم أيضا إلى الائتلاف.

كان هذا حلا وسطا قال الحريري إنه ضروري لإنهاء حالة الشلل السياسي ذي الصبغة الطائفية في لبنان. وكان الحل صعبا أيضا على المستوى الشخصي لأن الحريري يتهم حزب الله باغتيال والده.

وبدا الحريري ملتزما بهذا الحل الوسط حتى اللحظة التي توجه فيها إلى الرياض يوم الثالث من نوفمبر تشرين الثاني. وكان قد أبلغ مسؤولين عن مناقشات مقررة لدى عودته يوم الاثنين التالي.

وسبق أن قبلت السعودية بصفقة الحريري السياسية في لبنان. لكن تباهي إيران بنجاحاتها مع حزب الله في حربي سوريا واليمن على حساب حلفاء للسعودية ربما أدى إلى تغيير حسابات المملكة.

وبعد يوم من سفره للرياض ظهر الحريري على شاشات التلفزيون ليتلو بيان الاستقالة.

* باسم الأب

تستند مسيرة الحريري المهنية على دعم دول خليجية واستغلال ثروة أسرته- حيث أنفق مبالغ كبيرة منها في لبنان لتمويل شبكة إعلامية وتقديم هدايا خيرية لتأمين دعم واسع- بالإضافة إلى مشاعر الاحترام التي يكنها كثير من اللبنانيين لوالده الراحل.

وقال في خطاب استقالته ”نحن نعيش أجواء شبيهة بالأجواء التي شابت قبل اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري“.

ووفقا لنظام تقاسم السلطة الطائفي في لبنان يتعين أن يكون رئيس الوزراء سنيا وساهم الحريري الأب في جعل اسم أسرته بارزا بين اللبنانيين السنة.

وأسس رفيق الحريري إمبراطورية أعمال في السعودية بدعم من الأسرة المالكة وعاد إلى لبنان ليعيد إعمار البلاد عندما وضعت الحرب الأهلية هناك أوزارها عام 1990. كما شغل منصب رئيس الوزراء لفترتين. لكن السيارة الملغومة التي أودت بحياة الأب لم تترك للابن خيارا سوى القيام بدور لم يكن ينشده من قبل وهو دور الزعيم السياسي.

وقبل أن يخوض غمار المشهد السياسي المتقلب في لبنان كان سعد يعيش حياة مترفة وهو يدير إمبراطورية والده. ونشأ سعد في السعودية ويحمل جنسية المملكة.

وساهم الغضب من اغتيال الحريري الأب في تحقيق حركة المستقبل التي يقودها الحريري الابن النصر في الانتخابات بعدها بخمسة أشهر. واختار الحريري حليفا سياسيا لتولي منصب رئيس الوزراء ولم يشغل المنصب بنفسه إلا عام 2009.

كانت هذه أول حكومة تقودها فصائل تعارض نفوذ سوريا وبالتبعية حلفائها إيران وحزب الله منذ الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990.

وتقدمت المعارضة إلى الصدارة في عام 2008 عندما حاولت الحكومة مصادرة شبكة اتصالات حزب الله مما أدى إلأى معارك في شوارع بيروت فازت فيها الحركة الشيعية المدججة بالسلاح.

وتوسطت قطر في حل وسط تولى الحريري بموجبه منصب رئيس الوزراء في حكومة ائتلافية تضمنت حزب الله. لكن الجماعة الشيعية انسحبت في 2011 مما أدى لانهيار الحكومة.

‭‭‭‭*‬‬‬‬تراجع

مع تفاقم التوتر بشأن الحرب في سوريا غادر الحريري لبنان وأمضى معظم وقته في السنوات التي تلت ذلك في الخارج حتى عودته قبل أشهر من الانضمام إلى حكومة جديدة العام الماضي.

لكن نفوذه ونفوذ راعيته السعودية تضاءل. واعتبر تشكيل حكومة العام الماضي على نطاق واسع في لبنان إقرارا بالهيمنة السياسية لإيران وحزب الله.

وبدا نفاد صبر السعودية إزاء الحريري واضحا في مصير شركة سعودي أوجيه التي تملكها الأسرة والتي لطالما شكلت ملياراتها أساسا لدورها السياسي في لبنان.

وفي ظل التوزيع الجديد للسلطة في السعودية في عهد الملك سلمان وابنه الطموح الأمير محمد وتراجع أسعار النفط بشكل ألحق ضررا بماليات المملكة بدت الحكومة السعودية أقل استعدادا لطرح مشاريع كبيرة للدولة لإثراء بعض حلفائها.

وعندما انتهت أول فترة ولاية للحريري في عام 2011 قال في مقابلة مع صحيفة إنه في لبنان لا ينتهي الأمر بالنسبة لأي أحد أبدا.

وقال مصدر في معسكره إنه مازال من الممكن التوصل لحل وسط لعودته إلى بيروت رئيسا للوزراء إذا نأى عون بنفسه عن الدور الذي يلعبه حزب الله في المنطقة.

وقد يرضي أي تصريح من هذا النوع من جانب عون السعودية بعض الشيء لكنه لن يضع الحريري في موقف أقوى من ذي قبل.

فبعد تنحيه بهذا الشكل العلني ولاسيما من الخارج أصبح اعتماده على الرياض واضحا للعيان. بل إن خصومه في لبنان سخروا من لهجته أثناء إلقاء خطاب الاستقالة باعتبارها سعودية أكثر منها لبنانية.

والملصقات التي ظهرت في شوارع بيروت عليها شعار ”نحن معك“ فقد بدت على أنها تضامن مع رهينة سياسي أكثر منها على أنها تعبير عن تأييد شعبي.