تحقيقات ومقابلاتموضوعات رئيسية

“الرامي الأسود” موسى: العودة من نيجيريا.. 21 طفلا وثلاث زوجات.. مذابح البظان والهالبولار/ من كتاب “الدوائر السبع ” (14 من 17) بقلم الدهماء

…………………………… بدأتُ أشعر بالغربة التامة عن نيجيريا ، قررَّتُ الرحيل والعودة الى بلدي و حضني الاجتماعي في قريتي” سايي” في “فوتا، موريتانيا”، لم يبق في زيارتي إلا اثنين صديق من “بمبارا” وطبيب مسيحي من نيجيريا،…جرَّب الطبيب معي – بعد الكثير من المحاولات اليائسة – عقارًا مبهما فنجح،  خف المرض، وبدأت في التعافي، ثم لجأتُ لشيخ تقليدي حمَّل نسائي وأمراضهن ونزاعاتهن بعض المسؤولية عما أصابني،  و حمل أسحار “الرقيب-أول وانْيْ” الانتقامية مسؤولية مرضي وخصوصا عقدة ابتعادي عن أهلي وزوجاتي في “فوتا” لأربعين سنة.

استدعيتُ جميع أطفالي، كنتُ قد رزقتُ بواحد وعشرين طفلا وفقدتُ ثمانية، بقيَّ منهم إذن ثلاثة عشرة على قيد الحياة، أربع بنات و تسعة أولاد، أخبرتهم بنيَّتي العودة إلى بلدي، وخيَّرتهم بين البقاء في نيجيريا أو الالتحاق بي،.. ابني البكر خرِّيج جامعة، انتسبَ للجيش اتشادي وخدم فيه أيام  الرئيس “حسين حبري”، .. ابني الذي يليه صاحب ورشة لحامة كبيرة وناجحة في “لاكَوس” و البنات متزوجات و على ذمة رجال،.. بعتُ منزلين من أصل ثلاثة مع المُستودعات وتركتُ الباقي في عهدة ابني البكر… كانت ماتزال على ذمتي ثلاث زوجات ، أردتُ أن أحرِّرهن من عصمتي،  فلا أرغبُ في إرغامهِنَّ على الابتعاد عن محيطهن، لكن صُغراهن “زُهرة” أصرَّت على مرافقتي رغم الاعتراض الشَّديد لأهلها.

رحلتُ إذن مع زوجتي “زهرة” و أطفالي السبعة الأصغر سنًّا.

مررنا ب “انيامي” ثم “باماكو” وصولاً إلى “داكار”، في السنغال كنَّا في مايو من 1989م، السَّنة التي ذَبح فيها دكتاتور موريتانيا “معاوية ولد الطائع” السُّود، اخبرونا أن الحدود مغلقة وأن البلدين في حالة حرب.

ذهبت لبيت الشيخ ” منتقى تال” في حيّ “مدينه بداكار”، وهو  أحد أحفاد “الجاح عمر تال” كنت أنشدُ الاستضافة،.. وجدتُ بيته  يفور، كان يعجُّ بالمُرَحَّلين من موريتانيا على خلفية الأحداث، استقبلني مؤكدا أني وصلتُ في ظرفيَّةٍ حالكةٍ،  و أن بيتهُ في خدمتي.

مكثتُ في بيته شهرًا و ثمانية أيام أستمع بفزع لقصص القادمين من موريتانيا.

حدثت أشياء فظيعة في شهر رمضان من تلك السنة، جرائمٌ وإبعادٌ من هنا وهناك من الضفة، لقد غبتُ كثيرا عن بلدي و كنتُ عاجزًا عن استيعاب الأسباب التي أثارت كل هذا العنف، لكن من خلال تجربتي في نيجيريا كانت لدي فكرة عن مدى فظاعة العنف العرقي والديني حين يلعب الشيطان بالرؤوس.

الأمر هنا كان أشنع فقد سنَّت حكومة “معاوية” قانونا تضع بموجبه الدَّولة اليد على كل الأراضي الزراعية غير المستغلة.

بعد هذا القرار ، نظَّم “الشيخ منتقى تال” اجتماعًا حاشدًا في بيته لأصحاب السّدود وسكان الضّفة واتفقوا على رفض  القانون تمامًا، واقترحوا أن تُشكِّل كل قرية لجنة لليقظة و للدفاع الذّاتي. أقاربنا من السّنغاليين الذين يمتلوك أرضا في الضفة الموريتانية كانوا قلقين حيال مصادرة أراضيهم. و من هذه اللحظة بدأت القلاقل في الضّفة،   أصبح كل خصام بسيط يأخذ بعدا أكبر من حجمه، وتراكمت الحوادث تصاعديًّا إلى أن انفجرت على اثر خصام تافه بين منمين من الضفة اليمنى (موريتانيا) ومزارعين من الضفة اليسرى (سنغال)، دخلتْ مواشي المنمِّين الموريتانيين في حقل للمزارعين السّنغاليين، حشرَ الدرك الموريتاني أنفه في القضية ، قُتِل اثنين من السَّنغال بعد ذلك أصبح الجميع مجنونًا في الشّمال كما في الجنوب.

في السنغال عمد أشخاص لا علاقة لهم بالضّفة وليسوا “فوتيين” الى مُهاجمة التّجار المقيمين في أحيائهم من “البيظان”،.. جيرانهم،.. لقد قتلوا الدُّكاني الذي يستَلِفون منهُ  بِزَعْم الانتقام لمواطنيهم،.. لقد نهبُوا، وكسَّروا وقَتَلوا الكثير من “البيظان” و أسرهم. لقد سمعنا حتى أنهم رموا ب “تيرنو” (شيخ) “بيظاني” في فرن مَخْبزة وحُرق حيًّا،.. يقول البعض أن هذا كذب، لستُ أدري، ضربتْ نساء،  وقُطِعت أثداء، و ارتُكبتْ العديد من الفظاعات.

بُعيْد ظهور صوَّر حالة الجنون الجماعي على التلفزيون، لم يستطع الموريتانيون تحمُّلها، اجتاحت البلاد حالئذ حالة شغبٍ كبرى، ، في النهاية دخل البلدان في حالة حرب وهاجم كل منهما جالية الآخر ليقتلها أو يبعدها…..

في السنغال كما في موريتانيا تم ابعاد أسر كاملة ، تقطن البلد منذ أجيال، لم يتسنَّ لها الوقت لطي متاعها.

التَقيتُ بالعديد من الأشخاص لدى “الشيخ منتقى” طُردوا، وهَربوا، لم يكونوا جميعهم من السّنغال،.. بعيد من ذلك،.. لقد لاحظنا أنهم طردوا أيضا السّود الموريتانيين من المنحدرين من الضفة، زاعمين بأنهم من جنسية أو أصل سنغالي.

يَحضر كل يوم لاجئون جدد، ولم يعدْ في إمكانهم إثبات هويتهم لأن السُّلطات مزَّقت أوراقهم الثبوتية الموريتانية قبل ابعادهم. رأيتُ الكثير من “الهالبولارن” الموريتانيين من قرى الضفة اليمنى من أبناء عمومتنا ” الفولبي” الذين يعيشون في ” ادييري” على تنمية أبقارهم ، وقد سرق منهم “البيظان” أبقارهم، واغتصبوا فتياتهم وقتلوا ذويهم.

يقولون أن “معاوية” وزمرته قد استغلوا جو الغضب العام للتخلص من “الهالبولارن”.

كانت حقيقة: أن الرئيس أمر الإدارة بصرف كل الأطر وحتى العمال الصغار من السود من أعمالهم، كان على الجميع أن يفر خوفا من القتل، لن أخبركِ جديدا فأنتِ نفسكِ قد احتضنتِ أشخاصا عندكِ في باريس، لكن يجب أن تكتبي هذا في الكتاب. من المهم أن يعرف العالم أن بعض “البيظان” أرادوا أن يختفي السود من موريتانيا وأن يحتووا على قراهم وأراضيهم.

في داكار كان اللاجئون “الهالبولارن” يتوافدن على دار ” منتقى تال”،  يروون و يروون ، كنتُ أسمع يوميا قصصا عن المجازر ، الإبعاد الجماعي، الاعتقال في ظروف بائسة، التَّعذيب… رأيتُ وسمعتُ أشياء كثيرة عن المنفيِّين، قصصا مريعة، أنتِ أيضا لا بد أنك سمعتِ عنها،.. منهم من كتب كتبا تحكي عمَّا عاشوه، يجب أن تقرئيها إذا لم تكوني فعلتِ بعد.

…………………

يتواصل بإذن الله تعالى

…………………

ملخص من كتاب ” Les sept cercles, Une odyssée noire “، ” الدوائر السبع، ملحمة سوداء”، رؤية أحد ” الرماة السود” من مجتمع ” الهالبولار”  الموريتاني لواقع استعمار موريتانيا، صدر سنة (2015م)، بالتعاون  مع خبيرة الأنثروبولوجيا ”  Sophie Caratini ” ، نشرته مطابع ”  Thierry Marchaisse “، بفرنسا.

 

 

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى