“مآتم” في قرى الـ”ايمراغن” الموريتانية .. مصرع أكثر من مائة دلفين..

صورة أرشيفية

تيويليت (موريتانيا)- من الشيخ بكاي- ” إنها كارثة…” يقول صياد عجوز تحيل تقاسيم وجهه إلى ألم داخلي حقيقي.

وينظر العجوز بركه إلى عشرات الجثث المتناثرة هنا وهناك، ثم يضيف وهو يحاول إنقاذ دلفين شاب:”هي مذبحة بشعة لن يغفر الله لمرتكبيها”.

ومثل بركه يعيش صيادو “إيمراغن” في قرية تيويليت والقرى الاخرى الواقعة على شاطئ الاطلسي شمال غربي العاصمة الموريتانية نواكشوط ما يشبه أجواء المآتم منذ نحو الاسبوعين بسبب “المقتلة” التي راح ضحيتها أكثر من مائة دلفين في النطاق البحري لمحمية حوض “آرغين”.

هنا في هذه القرية تشعر أنك في عالم مختلف وأنت القادم من مدينة نواكشوط التي لا تبعد عن أقرب قرى “إيمراغن” إلا 30 كيلومترا، و لا يتجاوز اهتمام الناس فيها بمأساة الدلافين سطورا في صحيفة أو اثنتين، أو محاولات جهات مسؤولة فهم الأسباب..

في تيويليت والقرى الاخرى تشعر أن الانسان جزء من الطبيعة ببحرها ورملها وأسماكها وطيورها..

يقول بركه لـ”الحياة” وهو يتجول بي رجال يحفرون “قبورا” ، وآخرين يدفعون ضحايا لم يسلموا النفس الأخير إلى قاع البحر في محاولة إنقاذ يائسة: “هذه هي المرة الأولى التي تحدث فيها كوارث بهذا الحجم”. ويشرح  أجواء الساعات الأولى وكأنه يتحدث عن موت جماعي لسكان إحدى القرى: “استيقظنا كالعادة  مع بزوغ الشمس استعدادا لرحلة الصيد اليومية لكنا – وياللهول- تسمرنا في أماكننا، فقد كان البحر يقذف أجساما كبيرة”.

ويضيف:  رافعا صوته: “تصايح الناس: إنها الدلافين.. إنها الدلافين..”.

ويسكت العجوز، ثم يقول في حسرة بالغة:” لقد كان البعض ميتا والبعض في الرمق الأخير”.

في هذا اليوم امتنع كثير من رجال الـ”إيمراغن” عن الصيد، وعم الحزن المدن الشاطئية..

والايمراغن (جمع “إيمريغ” بالبربرية القديمة) مجموعة متميزة لا تعود إلى أصول واحدة لكنها عكسا لكل الموريتانيين العرب عايشت البحر منذ مئات السنين، واكتشفت أسراره وكنوزه، واندمجت في عالمه..

ويمتهن الايمراغن الصيد منذ القدم بوسائل بدائية، لكنها ظلت تمكنهم من التوغل عشرات الأميال داخل الخضم الأصم، ومن توفير حياة كريمة.

ولم تكن للموريتانيين (العرب) في الماضي باستثناء الايمراغن صلة بالبحر.. وإلى تاريخ قريب كانت أكلة السمك المقلي الشهية تثير التقزز لدى الموريتاي القادم إلى المدينة من الارياف والمتعود على أكل لحوم الغنم والابل والبقر وشرب حليب النوق..

وحتى عهد قريب أيضا كانت مهنة الصيد البحري- عكسا لصيد الغزال في البراري- مهنة “غير محترمة” .. وهذا ما انسحب على الايمراغن الذين ازدادوا عزلةعن المجتمع وارتباطا بالبحر..

صداقة قديمة:

وتجد حال الحزن التي تعم القرى الشاطئية دون غيرها التفسير في أمرين أولهما هذه العلاقة العميقة القائمة بين الصياد سمكة الدلفين منذ القدم.. ويقول الايمراغن إن الدلافين تساعدهم في اصطياد الاسماك الأخرى. فهي تحاصرها حتى تقع في  الشباك، وتطاردها حتى المناطق القريبة من الشاطئ.. كما “تساعد في إنقاذ من يغرقون في البحر”.

والأمر الثاني: كون الايمراغن والدلافين جزءا من المحيط الطبيعي لمحمية “حوض آرغين”.

و”حوض آرغين” من السواحل الاطلسية القليلة التي ظلت محافظة على موقوماتها البيئية وثرواتها الطبيعية الأصلية. وهي موطن لأنواع حية نادرة الوجود في أي منطقة أخرى..

ويوجد في المحمية ما يتراوح بين 25 و 40 ألف زوج من الطيور التي تنتمي إلى 15 نوع،وتشكل أهم تجمع للطيور المائية في منطقة شمال وغرب إفريقيا.

ويستضيف النطاق البحري للحوض  – إضافة إلى مئات الاصناف من الاسماك الكائنات البحرية المتعددة- السلاحف البحرية الخضراء وأنواع من الحوتيات منها خنزير البحر، والتخت وعجول البحر والدلافين.

وأنشأت السلطات الموريتانية مؤسسة كلفتها إدارة المنطقة التي تغطي 2000 كلم نصفها في النطاق البحري والنصف الآخر فيالنطاق البري.

ومع أن السلطات منعت الاقامة في الحوض، فإنها اعتبرت الـ”إيمراغن” جزءا من كائنات المحمية وسمحت لهم بالاقامة والصيد، مع منع استخدام القوارب ذات المحركات.

ما السبب؟

وتتضارب التفسيرات لأسباب المذبحة.. ويقول “الخبراء” من الـ”إيمراغن” إن شباك الصيد العملاقة التي تنشرها السفن الأجنبية هي السبب.. وقال بركه لـ “الحياة”: “نحن أدرى بشؤون البحر من أي جهات أخرى” مضيفا أن “الدلافين حبست لفترة طويلة في القاع داخل شباك الصيد الكبيرة فاختنقت”.

وتوصل معهد هولندي إلى نتائج أولية مماثلة. إلا أن مدير “المعهد الموريتاني للبحب الاوقيانوغرفي” الدكتور سيدي مختار يستبعد أن يكون الاستخدام غير المشروع لشباك الصيد مسؤولا عن الحادث. ويقول المدير إنه لا يدعم أيضا الاطروحة القائلة بأن التلوث وراء مصرع الدلافين. ويقول إنه يرجح بدلا من ذلك إصابة الدلافين بأمراض فيروسية معدية.

ويذكر مختار بأنه في العام 1980 “وقعت أحداث مشابهة، حيث عثر على عشرات الدلافين ميتة على الشاطئ”.

ويتحدث البعض من “إيمراغن” عن التسمم. ويعيدونه إلى مصدرين أحدهما إفراغ بواخر الصيد في البحر مواد سامة كان ينبغي إفراغها في الموانئ. والثاني إلقاء كميات كبيرة من الاسماك الميتة في البحر بعد أن تبقى على اليابسة فترة من الزمن لعدم صلاحيتها التجارية.

نهاية

إعلانات