” أنا من علب آدرس”…

إعلان

ليست القبيلة – في شكلها أداة للتكافل الاجتماعي وإطارا يجد فيه الفرد الأمن والحماية- شرا. وهذه هي حالها في الماضي في معظم الأحوال. لكن الشر أو الخطر الحقيقي هو في استمرار الحاجة إليها في الوقت الذي أصبح من المفترض وجود بديل أقوى وأوسع وأهم هو الدولة…
والأخطر من كل هذا أن تكون المؤسسة” الرسمية ” هي التي تخلق الحاجة إلى القبيلة وتعيد الشباب والحيوية إلى جسمها المترهل..

ولست أدعي هنا أن القبيلة ماتت نهائيا في عهودنا السابقة، لكن أقول جازما إنها كانت أكثر خجلا في التعبير عن نفسها، وكان حكامنا أكثر “تحضرا” في تعاطيهم مع رموزها. وفوق كل هذا استطاع المد القومي واليساري أن يجعل الانتماء القبلي “رذيلة سياسية” في نفوس معظم الشباب.

أتذكر شخصيا حادثة وقعت لي في نهاية السبعينيات، فقد نزلت وصديق شخصي في منزل السفير الموريتاني بإحدى العواصم المغاربية في انتظار طائرة تقلنا إلى مكان الدراسة في الشرق الأوسط. وبما أنني صاحب الصلة بالسفير فقد سألني عن قبيلة صديقي فقلت إنني لا أعرف؛ على الرغم من أنه زميل في الدراسة ورفيق درب في النضال وصديق على المستوى الشخصي.

وتحت إصرار السفير وضغطه سألت الصديق: “من أي قبيلة أنت؟”… فكان الرد تقريعا لاذعا واستهجانا، لكنني تمكنت في الأخير من أن أرغمه على القول: ” أنا من علب آدرس”. [1]

قد يتفهم المرء خضوع مثقفينا وأطرنا – الذين هم ذخر البلد- للآليات القبلية واندفاعهم في الممارسات المرتبطة بها في شكل مخجل. فالمسألة لدى هؤلاء مسألة حياة أو موت: مسألة ثروة أو فقر.. مسألة وظائف أو تشرد..

لقد ربط نظام الحكم أبسط حقوق المواطنة بالموقف منه أولا، وبمكانة الفرد في قبيلته ثانيا. لكن ما لا يقبل من سماسرة القبيلة ومنظريها الجدد – وأعني هنا المثقفين ومن يفترض أنهم طليعة المجتمع- هو أن يتحدثوا عن “فكرة” الدولة.. عن الاخلاق.. والتنمية والتقدم.. و”الديمقراطية” .

والسلطة هي الأخرى قد نجد لها العذر فلم يعد النظام الدولي يسمح باستخدام “البيان الرقم1” وسيلة للحكم؛ وبات من اللازم التخفي وراء أي قناع آخر مهما كان.. المهم أن يرتبط في الأذهان بالتعددية السياسية التي قد لا تعني “ديمقراطية” بالضرورة.

ومادامت الانتخابات هي الوسيلة الانقلابية المعتمدة فإن أقصر طريق إلى السيطرة تكون تأجيج النعرة القبلية، وضخ القوة في شعابها المظلمة، والتحكم في القبائل من خلال إرضاء رموزها.. وهذه بالفعل لعبة ذكية لكنها- وهذا ما لا يبدو أن الكثيرين يدركونه- قد تتحول إلى “لعب بالنار” فمن يضمن ألا يقود الحرص على وحدة القبيلة إلى أن تنقلب هذه على من منحها هذه القوة وأعطاها الهيبة والسيطرة على أبنائها، وتتحول إلى خصم.

خطوط على الرمال- جريدة “المراقب”- العدد 02 بتاريخ 24 يناير 1992

حواشي

[1المعني هو الباحث والصحفي الدكتور محمد محمد علي)

إعلانات