ذكرى أحداث 1984 (5).. معتقلون و”معتقلون وهميون”.. “زعيم التنظيم”../ الشيخ بكاي

4 ابريل :

– ثغرة في “الحصار الاقتصادي” المفروض علي منذ خمسة أيام.. وصلتني وجبة غداء… و قيل لي إن ثيابا نظيفة عند قسم الشرطة تنتظر إذنا بالسماح لي بها..

رفض الشرطيون أخذ الثياب في البداية .. ولست أدري لماذا، فلم يتوقف الأهالي عن إرسال الطعام والشاي والسكر السجائر. ولم يكن يصلني أي شيء منذ فرض الحصار..

اضطرالشرطيون في الأخير أن يأخذوا الثياب بعد أن بكت قريبة لي في شكل جارح.. وقالت إنهم  قتلوني..

وكم كان وفيا غسال الثياب الذي رفَضَ أخذ نقود قائلا إنه سيظل يغسل ثيابي حتى أعود… شاهدت خلال هذه التجربة الكثير من صور الوفاء الرائعة، لكنني اطلعت على صور لؤم بشعة، منها شهادة “معتقلين وهميين” ضد أقارب وأصدقاء وأولياء نعمة لا يستحقون عليهم سوى الخير…

نقل وكلاء الشرطة أن أحد المعتقلين قال في مواجهة مع معتقل” وهمي”: ” أيها الحقير أنا لم يرغمني التعذيب على الاعتراف بما لم أفعل، وتظن أنت أنك تستطيع!”…

قال لي شرطي في أحد هذه الأيام: ” لقداعتقلنا رئيسكم”.. استنكرت استخدامه صيغة الجمع وقلت: “هوم منهومه يبوي؟”، لكنني  كنت في الواقع أريد أن أعرف فشجعته.. قال ضاحكا:”هو يبدو الزعيم فقد  جاء يقود سيارته واعتقلناه بعد أن ركنها في هدوء”.

تابعت من خلال وكلاء الشرطة مواجهات بين معتقلين “وهميين” وآخرين يجري سلخهم.. وتابعت أخبار رجال آخرين فضحت الاعتقالات طوياتهم… لقد كانوا أغبياء، تعاملوا مع أجهزة لم توفر لهم الحماية “الاجتماعية”.. لعلهم راهنوا على أنه لا ذاكرة للموريتانيين…

 وحتى “أجندتي” هذه التي تختزن أسرارا وذاكرتها حديد، لا تبدو وفية لي ولا لأصدقائي فتفضح كل من ساهم في أكل أجسادنا و لعق دمائنا التي نزفت…

5 ابريل:

أيقظني ديوب في الصباح الباكر يحمل علبة الحليب، وعاد بعد دقائق بكأس الشاي ملفوفة كالعادة في علبة فارغة.. كنت مريضا ولم أنم إلاقليلا، فقد عدت متأخرا من “سهرة”  الليلة الماضية منهكا متألما..

سألته:”ألا يمكن أن أنام وبعد أن أستيقظ نشرب الشاي معا هنا..؟.. ألم يفكوا عني الحصار؟”

رد : ” لا.. أنت مسموح لك بالغداء فقط، ولأ أعرف هل أكون حرا في تهريب الشاي إليك من غرفة أخرى في هذا اليوم بعد الآن ..”.

فوضت أمري إلى الله واستلقيت على ظهري منتظرا الكأس المسروقة، وسرحت في وقائع “سعير” الليلة الماضية، والانقلابات والعسكريين. وقادني ذلك إلى تدبر معاني  بيان حكومي اتهمنا ضمن أمور أخرى بمحاولة السيطرة على البلاد من خلال “اتحاد العمال، واتحاد الطلاب، و.. الوكالة الموريتانية للانباء!!”..

كان الكوري ولد حميتي يقود اتحاد العمال، وحمود ولد عبدي يقود اتحاد الطلاب… و.. “الوكالة الموريتانية للانباء!!؟”… كان يوجد بها بومدين ولد أحمد سالم رئيسا لمصلحة الأرشيف، وكنت أنا  مدير تحريرها..

النقابات تقود العمال والطلاب.. أما الوكالة فإنها “تقود الكلام”.. وهي لم تتحدث قط إلا بافتتاحيات نارية تمجد أمير المؤمنين قائد الأمة محمد خونة ولد هيداله وتلعن أعداءه المحليين والخارجيين.. ومن أشهر افتتاحياتها واحدة (مكتوبة خارجها) تحرض على تصفية الجماعات “السرية المخربة”…

كم هو غبي هذا البيان.. أهو استهداف لأشخاص معينين؟.. ذلك غير منطقي، فالمستهدف أكبر من هؤلاء ومن غيرهم…

في الواقع كان الناصريون في أوج قوتهم.. يقودون المنظمتين النقابيتين الأهم، وينظمون غالبية الطلاب والتلاميذ الموريتانيين في خلاياهم السرية.. ولهم سمعة طيبة في أوساط الموريتانيين العاديين ولدى المجتمع المحافظ الذي لم تلوثه الأفكار الوهابية بعد…

وكانوا في هذه الفترة أيضا قد بدأوا يكسرون سلاحا ظل بعض خصومهم يشهره في وجوههم وهو تخويف المكونة الزنجية منهم.. ومن دون إعطاء تفاصيل،  قطع الناصريون خطوات على طريق إفهام البعض من نشطي هذه المكونة أن الفكر الناصري فكر منطلقه إفريقيا وهو فكر إنساني، تحرري، موضوعي، يعترف بالآخر وخصوصياته..وفي شكل واضح عملوا على إقناع الطرف الآخر بإيمانهم بموريتانيا متعددة الأعراق والثقافات… وبدأت الفكرة تتسلل إلى الضفة عبر آلية خاصة..

لم يكن ينقص الناصريين في الواقع إلا ما يحاول الجلادون إلصاقه بهم، وهو الاستناد إلى جناح عسكري داخل اللجنة الحاكمة، أو تنظيم عسكري خاص بهم.. وكانوا في الواقع يفتقرون أكثر إلى إرادة في الوصول  إلى السلطة.. كانوا فعلا حركة  شعبية واسعة تحلم ببسط العدالة الاجتماعية والمساواة، وتوحيد الأمة وتحريرها من التبعية. لكن  لم يكن لديهم أي تفكير في السلطة على المدى القريب، بل إن الشعور الغالب كان نوعا من “الصوفية” “الساذجة”، إلى درجة استهجان التعيين في الوظائف الحكومية الكبيرة.

كان “التثوير” والشحن داخل الخلايا مستمرا كالعادة، فيما تسوء ظروف البلد، ويتخبط النظام في سياسات رعناء، وينتشر الرعب، والبطش..ولم يكن غريبا في هذه الظروف حدوث ردة فعل، خصوصا أن الشارع الناصري بدأ يضغط بقوة لم تعد تسمح بتحاشي الاصطدام بالنظام أو اختيار وقته المناسب…………………………

لم تكن المنشورات والكتابات على الجدران والاضرابات إلا أسلحة عادية استخدمها التنظيم وغيره في السابق، ولم تقد إلى ضربة بحجم هذه، غير أن  قلق أطراف في السلطة وخارجها  من القوة المتنامية للحركة، واشتراك هذه الأطراف في الحقد عليها ، وصراعات أجنحة السلطة نفسها، أمور أدت إلى  عملية الإجهاز .. ويبدو أن تقارير الاستخبارات  التي قدمت إلى الرئيس هيداله اتحدت كلها في تسويق الخطر.. وسيؤكد لي هيداله  نفسه في ما بعد في أول مقابلة يدلي بها لصحفي بعد خروجه من السلطة أنه أُغرق في تقارير  كاذبة. وقال لي بالحرف الواحد إنه لو كان يفهم الأبعاد لما أقدم على كل ذلك. والمقابلة موجودة عندي بصوته، وبها الكثير من المعلومات المهمة التي ليس لها مكان هنا الآن… ومنها أنه كان يدس جواسيس. ويبدو من كلامه أنهم خَدَعوا أو خُدِعوا..

عاد ديوب بالكأس الثانية وأنا أفكر في عقول من صاغوا البيان ومحاولة كل واحد منهم إدخال كلمة أو جملة  تخدم ما يريد…..

 

5-إبريل:

– خرج “… بابا” من لجنة “الجَلْد” بعد اعتقاله على خلفية تهم بالسرقة والتزوير لم يكشف عنها وكلاء الشرطة.. كان من أطرف الجلادين، لكنه كان عدوا لتكاثر البشرية….(راجع الحلقة الثالثة)…

 

6 أبريل:

مازلت تحت التحقيق…

 –  توصل بعض المعتقلين إلى طريقة  تختصر الفترة التي يمضونها في “الجاغوار”.. هي أن يعطوا الانطباع بفقد الوعي قبل أن يصلوه… مسألة صعبة جدا فالألم لا يترك للمرء عقلا يفكر به …

– لم أجد اليوم من يُهَرِب  لي  كاس شاي ولا سجارة … كان حارسي عربيا أصيلا.. يدحرجني بفوهة رشاشه حينما “يسوقني” إلى دورة المياه…

كلمني مرة واحدة حينما رمي إلي الغداء وقال :”هاك..”.. قلت : “أينا الكلب؟”.. لم يرد وأغلق الباب…لم أتناول الغداء في ذلك اليوم…

إعلانات