آراء

تأرجح الانتماء والولاء المصطنع-2

كان ـ فيما تعهَّدنا به ـ أن نمضي قُدُما في تَجْلِية جوانب ممَّا يُداخل واقعنا، في بُعْده التاريخي وراهنه المعيش؛ وقد قادنا التحرِّي إلى حين تولِّي أولي البَأْس، ومحاولتهم حمْلنا على ولاء القبول والطاعة؛ سادرين في نهجهم اصطناعَ المراوحة ما بين صيغ من المواءمة الديمقراطية وشرعية الفعل حينا، والاستئثار بأمرنا مرات أخرى؛ ولم يَعدِمُوا في أَيِّ مرة، ولا في أَيِّ صيغة تعْضِيدا وتمْكينا يَتكفَّل به المُغالون في التسويِغ، بما ليس في حسبان المُتغلِّب، ولم يخطر بباله من قبل.
لئن لم يكن بَسْط القول مواتيا في حالنا تلك، فقد أشرنا إلى معتمَدها في النظر، وتَمَثُّلاته الآخذةِ مَساربَها في الجسم الاجتماعي، بمُداخلة السلوك وتكييف المواقف العامة، في سابق من إِلْماحاتنا، وبِتَملٍّ أكثر، في وقْفتِنا السابقة؛ وغَيْرُ خافٍ على المُتَبصِّر ـ في مقام مثل هذا ـ أن علاقة التلازم قائمة، ما بين الفعل في النسيج الاجتماعي، وبين الفاعلين في الثقافة، في إطلاق “علم اجتماع المعرفة”؛ ليصبح الحكم متعديا صادقا على الطرفين، حين يطلق على أيِّ واحد منهما.
لا ضَيْرَ ـ إذن ـ إذا ما قصرنا محاولة التلمُّس على “الفاعلين الثقافيين”، ونحن بصدد الحكم على واقع بأكمل جوانبه السياسية، والاجتماعية والثقافية، والسيرورات والتحولات المُفْضية إليها؛ لأن فئة مثل هذه، تشكِّل قطاعا رأس/أفقي في الفعل، وفي اختزال الأثر والتأثير، شديدة الخطر، بالغة الدلالة فيما نحن ماضون إليه؛ إن تَحسُّس العلاقة التي تحكم هؤلاء من أصحاب الرأي بالحاكم، وتَلمُّس طبيعة تلك العلاقة في الاستجابة الطوعية/الفورية لحاجة المُتغلِّب إلى التسويغ، هي ممَّا نَبْغي الوصول إليه في مَسْعانا هذا.
على أن مَلْمَحا آخر متعيِّنٌ، في مقامنا هذا، وهو أَمْكَنِيَّة الأَثَر التي تَتبَدَّى في بعضٍ من مُكوِّنات دوافع السلوك لدى الصفوة والنُّخَب المُهيَّأة للتأثير والفعل العام عندنا، والفاعلة في تشكيل دوافع السلوك، وفي قابلياتنا النفسية/الاجتماعية المختبئة تحت غلالة شفافة من المرونة والمحاباة، ودِثَار سميك من الوقار والتصوُّن، سرعان ما يُفْضِيان إلى قدرة فائقة على المجاملة، واستعداد كبير للتكيُّف، واختزال السياق القَبْلِيِّ، وقطيعة ما كان، واستبدال الكائن بما كان له العهد والولاء من قبل.
ويتشكَّل البناء الذهني ـ لقوم هذه طبيعتهم ـ تشكُّلا مزدوجا، توجه الفرد فيه لحظة آنية، يحدو صاحبها ميْلٌ شديد إلى تحقيق المصلحة الذاتية، ورغبة جامحة ـ ذات الوقت ـ في التحشيد، لحَمْل العصبة الدنيا على الموقف، ضمانا لنيل مقابل استجابة ـ إن كانت طوعية أَوَّل ما كانت؛ فإنها لم تلبث أن أصبح منها مُؤمَّل، يصير الرجاء فيه عديل الخوف من سوء الظن بالمنعم؛ ويتلبس الخوف بالطمع والرغبة بالرهبة؛ وتانك سبيل استئثار المجاملة والنفاق والخنوع والخضوع في واقعنا.

ولعل هامش المتْن هذا، هو والعدول عن الاستطالة، حالا دون “فِعْل أولي البأس، ومراعاة صيغ الوجود الاجتماعي، مما تعهَّدنا بإتيانه هذه المرة، ونحن على ذلك العهد، اللقاء القادم ـ بحول الله.

مجمد الامين الناتي

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى