الرمل. والبحر.. والرحيل (2 من 3 ): مذلة السيف وانتهازية القلم ../محمدسعيد ولد همدي

محمد سعيد

في الحلقة الأولى من هذا المقال تناول الكاتب محمد سعيد ولد همدي بنية المجتمع الموريتاني التقليدي والتراتبية فيه. والتواطؤ بين الزوايا والمحاربين من أجل السيطرة. ودخل الكاتب إلى موضوع العبودية من خلال أسطورة “حام” هذا الرجل الذي هو “جد العبيد” حسب الأسطورة والذي جر عليهم سواد البشرة بعدم اهتمامه بالعلم وترك المطر يغسل لوحه على جسده (تواطؤ السيف والقلم.. لعنة حام) وفي الحلقة الثانية التي بين أيدينا يتحدث عن الاستعمار ودوره في تحطيم البنية القديمة: ” مذلة السيف وانتهازية القلم”:

….. لقد كان هذا الاستعمار صدمة قوية، مفاجئة وعنيفة، أدت في النهاية إلى انهيار المجتمع التقليدي وقيمه العتيدة، وأفقدت الطبقات التقليدية مواقعها الأصلية شيئا فشيئا، فأخذ “المحاربون” يتناسون نزعتهم الاستقلالية وطموحهم إلى السيطرة والاستبداد. ثم رضوا لأنفسهم بأن يصبحوا مجرد قوات احتياطية للسيد الجديد. أما أمجادهم الماضية فلم تخلف إلا حنينا عنوانه هذه الأسمال المقلدة لأزياء الفرسان القديمة وهذه المدافع الصدئة التي يحملها هذا المنمي وذلك المزارع ليذكر العالم بأنه كان في يوم من الأيام رجل حرب. أما الطبقة المسيطرة الثانية، طبقة أصحاب القلم، فقد بدأت تستعد لخلافة طبقة المحاربين بأسلوب ذكي ينم عن درجة عالية من المهارة والانتهازية، وبذلك أصبح “الزوايا” في موقع الأعوان الحقيقيين للنظام الجديد والواسطة الوحيدة بين النظام الغازي والمجتمع المغلوب.

إن تحول مراكز السلطة من المحاربين إلى الزوايا، ومنهما معا إلى الغزاة الكافرين أدى إلى انهزام التوازن في بنية المجتمع التقليدي، فمهما تظاهر الناس بالخوف من سطوة “المحاربين” أو “نازية” المرابطين فإن ذلك لن يصمد أمام الواقع الجديد. لقد تلاشت الأساطير وفقدت الحرمات قدسيتها إلى الأبد.

وجاء الاستقلال الذي مُنح لنا فجأة لنجدنا تائهين حائرين، فالبنية التقليدية لمجتمعنا كانت أشبه ما تكون بتمثال انفجر بفعل لغم مودع في جوفه تطايرت أشلاؤه شذر شذر… وقد يجد الباحثون وعلماء الآثار شظية كانت أنفا أو أخرى كانت خدا أو أذنا، لكن هذا لا يعني إمكانية بعث التمثال نفسه كيانا فنيا متميزا. ولا أدل على ذلك من هؤلاء الشيوخ الذين كانوا بالأمس زعماء مطاعين في قبائلهم ومحترمين خارجها، فإذا بهم يتحولون إلى حياة مرذولة من التكسب السياسي بحيث لا يتورعون عن أي شيء من شأنه أن يكسبهم ود السلطة الأجنبية ولو بالتزلف لرمزها: الحاكم المحلي.

وهؤلاء “الأشباح” الذين يحملون حقائب مليئة بالأوراق المهترئة. ومضمون هذه لا يعدو أن يكون توصية من الوالي أو شهادة بحسن السلوك قدمها الرقيب… إلخ… ولا يفتأ هؤلاء الشيوخ يشيدون بمآثر الدولة الفرنسية و يجعلون الولاء لها دعامة “سادسة” من دعائم الإسلام.

وتتراجع “المحاظر” التي كانت قمة الهرم التقليدي بعد أن هجرها طلاب لم تعد تجذبهم علوم تدنت قيمتها أمام القطع البنكية التي أدخلها الكفار، وبعد فقدها لأساتذتها المرموقين الذين تخلوا عن كل التسامي والعزة وأصبحوا اليوم يستخدمون ما تبقى من نفوذهم ليحصلوا على وظيفة “معلم عربية” في إحدى المدارس الابتدائية “الفرانكوفونية”.

بل لقد وصل الأمر إلى حد أن سيدات من بنات الأسر النبيلة تبتلع إحداهن شرفها وحياءها وترضى لنفسها أن تكون الزوجة الثانية لجندي قادم من مزارع الحبوب الفرنسية أو الإسكافي من قبائل “الموشي” الأفريقية.

وترى القاضي ترتعد فرائصه فتظنه تذكر الحديث الشريف “قاض في الجنة وقاضيان في النار” غير أنه في حقيقة الأمر إنما يخاف أن لا يكون عند حسن ظن الإدارة الفرنسية.

والراعي يترك مواشيه وآفاق الحرية التي كانت تنفتح له، يذهب بحثا عن ثروة خسيسة يحصل عليها مقابل الخدمة الذليلة في مطاعم الفرنسيين. وكذلك الفلاح والحرفي… وغيرهما…

لقد حطم الاستعمار بنية المجتمع التقليدي ووحده في القهر والتبعية والاستغلال والتبعية الاقتصادية والنفسية. فقد عرفت البلاد الهجرة من الريف إلى المدينة، خلال الفترة الاستعمارية لأول مرة. لكنها كانت خفيفة بحيث لم تظهر خطورتها إلا بعد أن اكتملت حلقات ضرب المجتمع الموريتاني، وذلك ما لم يتم إلا بعد بروز نخبوية جديدة تعتبر وريثة مباشرة للنظام الاستعماري الذي كانت تسمد منه شرعيتها. أما في المخيلة الشعبية التي غذتها شعارات الحركة الوطنية التحررية، فقد كان الاستقلال حلما مرادفا للحرية والمساواة والرخاء.

لقد كانت الجماهير الموريتانية تأمل أن يكون الاستقلال بداية عهد جديد من احترام الآراء والمعتقدات والكفاءات، وأن الدولة الجديدة التي ستبني بجهد ستكون دولة الجميع.

ولكن سرعان ما حلت الخيبة محل هذه الآمال… فالاستقلال الذي كان مناط حلم الفلاحين لم يخفف آلامهم. وكذلك العمال الذين لم تتحسن وضعيتهم. أما الشيوخ فقد أحسوا أن النظام الجديد استمر عسفا في النظام الاستعماري. وظهر أن إنجازات “النخبة الجديدة” لم تزد كثيرا عن السيادة المظهرية: العلم –النشيد…إلخ.

وهذه “النخبة الجديدة” هي نفسها عبارة عن خليط من أفراد تعود أصولهم إلى كل الشرائح الاجتماعية. تقريبا. ومع ذلك فإن أغلبهم ينتمي إلى شرائح متواضعة من الفئة المزدوجة الزعامة (حسان –الطلبة).

وفي البداية ظهرت هذه النخبة بمظهر التمرد على القيم التقليدية لأنها كانت تريد فرض سلطانها بديلا للنظام التقليدي. غير أن أغلب زعمائها كانوا يعانون من ازدواج الشخصية. فمن حيث تكوينهم التقليدي كانوا مشدودين إلى النموذج العربي الإسلامي العتيق ومن حيث تكوينهم الأجنبي تأثروا بأفكار المستعمر لا سيما تلك المبادئ التي تقدمها أوروبا بوصفها حقائق كونية محايدة.

والحقيقة أن أهداف هذه النخبة كانت صعبة التحقيق. خصوصا أنه لم تكن هناك تجربة وطنية يستفاد منها بوصفها سابقة، ولم يكن هناك تحضير. وهذا ما يتطلب مضاعفة الجهد والتضحية من أجل توحيد الشعب ونوعيته وحماية الدولة من لمخاطر التي تتهددها، ومن أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. غير أن النخبة المعنية لم تكن على مستوى تحقيق هذه الطموحات. لقد كان أعضاؤها مبهورين بالغنيمة التي حصلوا عليها بغتة: خيرات بلد بكاملها والسيطرة على شعب بأسره. وقد تميز أعضاء هذه النخبة (و أغلبهم من كتيبة الإدارة الاستعمارية ومترجميها) في عملهم الإداري بضعف المستوى والانتهازية في السلوك والعجز في ميدان التسيير.

وكما لاحظنا من قبل، فقد تحطمت البنية التقليدية أثناء الفترة الاستعمارية ثم فقدت كل معنى لها في المرحلة “الاستقلالية” ولم يبق في النهاية إلا.. العدم والفراغ.

ولم تكن “النخبة الجديدة” قادرة على تصور إطار سياسي وتنظيمي جديد يحل محل الأطر الاجتماعية المنهارة. لذلك انعدمت المنهجية في تصرف الحكام الجدد الذين طبقوا سياسة التخبط والارتجال ما جعل السكان في حالة من الحيرة والضياع.

لقد أصبح شعبنا تائها بدون أهداف كأنه قطيع لا راعي له ولا مرعى.

هذا هو “الشعب” الذي سيضطر إلى قضم الأعلاف “ركل” على متن “سفين” الشاعر احمدو ولد عبد القادر.

وليس هذا بغريب بالنسبة إلى شعب فرضت عليه الطفولة الفكرية واعتبره حكامه عاجزا أبديا يحتاج للمساعدة كي يأكل ويشرب وكذلك كي… يفكر.

وهل هناك جفاف أخطر من هذا “الجفاف الفكري”؟… شعب مذل، تعقد المهرجانات للإشادة به وتتدفق الخطب من التفكير “حفاظا على صحته العقلية”.

وإذا كانت هذه النخبة ترفض المشاركة الشعبية في الحاضر فقد كانت كذلك ترفض الاستئناس بالماضي، بل إنها لم تكن تخاف شيئا مثل خوفها من أشباح التاريخ التي كانت تعتبر تهديدا خطيرا لما يهدف إليه من بناء الدولة الوطنية عبر الاستئناس بتجارب الشعوب الأخرى وذلك من أجل المشاكل التي يطرحها الواقع الوطني. لقد أظهرت الممارسة التاريخية فشل هذا المشروع المعتمد على مسلمتين خاطئتين: 1- أولى هاتين المسلمتين هي اعتبار الدولة الوطنية معطى جاهزا بصورة تكاد تكون عفوية، بينما الحقيقة أن هذه الدولة الوطنية لم توجد بعد في حين أن السلطة التقليدية لم تعد موجودة.

2- والمسلمة الثانية هي أن كل الحلول والنماذج المستوردة يمكن تطبيقها على بلدنا، بحيث يكفي أن يتم تعديلها لتناسب الأبعاد الوطنية. (والحقيقة أن هذه الأبعاد الوطنية ظلت مجهولة نتيجة لانعدام الإحصاءات والدراسات المسحية…إلخ).

وانطلاقا من هذا التصور الجديد تم نبذ المجتمع القديم بوصفه ممثلا للرجعية والتخلف. واستهزئ بأنماط الإنتاج الوطنية التي اعتبرت عرقلة في سبيل التنمية… “التنمية” هذا المصطلح السحري الغامض.

لقد تم ازدراد رموز الماضي والتشهير بها دون تمييز بين غث أو سمين:

فتركت “المحاظر” (هذا الكنز العلمي الثمين) لتلاقي مصيرها المحتوم، وأهمل القطاع الريفي واستخف بالصناعة التقليدية، وحطمت الزعامات الأصلية.

وكما تم الاستخفاف بكل رموز الماضي بدون تمييز فقد تم استيراد المفاهيم الغربية واستخدامها بشكل عشوائي. فتهمة موالاة الاستعمار والأمبريالية (أو معاداتهما… لا فرق!) كانت تكفي لإدانة أي شخص أو أي اتجاه يحرج النخبة الجديدة. ويؤدي هذا، في النهاية، إلى استيراد ما هو سلبي في التراث الأوروبي والانغلاق أمام القيم الإيجابية في هذا التراث، مثل قيمة الحرية.

فباسم أصالة مزعومة ومعركة موهومة ضد الاستعمار، قام خلفاء الاستعمار في موريتانيا وفي جوارها من بلدان القارة الإفريقية بخنق الجنين الديمقراطي الذي خلفه لنا المستعمر الأوروبي. والغريب أن هؤلاء الحكام لم يغيروا أي شيء في العلاقات الاقتصادية الاستعمارية، ولكنهم بادروا إلى خنق الحريات تحت شعار تعبئة الشعب ضد لاستعمار. ففي كل مناطق القارة الإفريقية، أصبح هناك سباق محموم بين الأنظمة التي يريد كل منها أن يبرهن على تقدميته واستقلاليته. والفائز في هذا السباق هو الأجرأ على مصادرة الحريات الديمقراطية الأساسية.

وبواسطة عمليات التدجين وغسيل الدماغ، أصبح الإنسان مجرد أداة يسخرها “السحرة” الجدد لتحقيق ما يريدون.

وعندما يتحول الإنسان إلى مجرد أداة سلبية للتنمية. وهو الذي يجب أن يكون هدفها فإن مفهوم التنمية نفسه يفقد دلالته الأصلية، ليصبح مجرد شعار زائف ووسيلة إيديولوجية إضافية لسرقة إنسانية الإنسان.

هذه التنمية المشوهة عدوان على حاضر الإنسان ومستقبله. وبذلك لا يبقى للمواطن إلا الماضي يلجأ إليه.

غير أن عدوان “ورثة الاستعمار” قد امتد إلى التراث التاريخي أيضا، فبدلا من دراسة هذا التراث وإبراز جوانبه المضيئة، تم التكتم عليه باعتباره عارا وطنيا.

أما عالم الريف، بالرغم من الأسبقية المعطاة له في كل المؤتمرات، فقد ترك في متحف التراث باعتباره قطاعا كان مهما… في يوم من الأيام. أما الآن فمن الأحسن أن ينسى.

ونعرف جميعا نهاية هذا المسلسل السخيف: إقرار الحزب الواحد، ثم حلول الوصوليين محل النبلاء. أما الحريات الأساسية، نقابية كانت أم سياسية فقد ألغتها البرلمانات الذيلية الجديدة، باعتبارها عمليات معقدة قد تجلب الطاعة إلى أدمغة شعوبنا التي أصبحت تعد من فصيلة الحيوانات الشبيهة بالإنسان.

وبعد خمس سنوات من نشوة الانتصار بتحقيق الاستقلال اتضح للذين كانوا يأملون خيرا في النظام الجديد أنهم كانوا واهمين، وكيف للآمال أن تتنفس عندما يتم القضاء على كل مقومات الديمقراطية والتعددية من أجل تغلب نزعة طائشة لإلغاء كل تميز ينم عن شخصية مستقلة. لم يعد هناك أفراد لهم شخصيتهم الدينية ولا مجموعات متميزة ولا آراء معبرة ولا مصالح خاصة. لم يعد هناك إلا الأرقام، مجرد أرقام. والحزب هو الوطن وهو القبيلة وهو الفئة وهو الأسرة… لقد تم محو الواقع الحقيقي وإبداله بواقع زائف، هو هذا الحزب الذي لم يكن في الحقيقة إلا فراغا هائلا… وبما أن الطبيعة تقاوم الفراغ فقد تم حشو جسم الحزب بمواد متنافرة ومتباينة، إلا أنها تحقق الهدف المنشود، ألا وهو إظهار “الحزب” كما لو كان واقعا حقيقي.

أما طريقة هذا “الحزب” في تسيير أمور الدولة، فهي عبارة عن مجموعة من القرارات المرتجلة بعد فوات الأوان، انطلاقا من نظرة ضيقة تفرضها الظروف أو المبادئ “الكليشية” التي تصور لمن ينادي بها أنه يملك الحقائق الكونية المطلقة والنهائية.

ومن بين هذه شعار “الاشتراكية” الذي سيرفع مصحوبا بنعوت مختلفة: “اشتراكية عربية” هنا، “اشتراكية إفريقية” هناك وفي بعض الحالات يصل الأمر إلى حد المناداة بـ “الاشتراكية الإسلامية” إنها طريقة جديدة في الحكم. وهي في نفس الوقت طريقة جديدة لسرقة أموال الناس. بل إنه شكل جديد من “الجفاف” يأتي على الأخضر واليابس. لقد أدت الاشتراكية -تحت شعار العدالة الاجتماعية- إلى خنق جهاز الدولة تحت ضغط “رأسمالية دولية” لا تستفيد منها إلا حقنة من البيروقراطيين العجزة والمرتشين.

إنه شكل من (الإغارة والنهب) يحميه القانون انطلاقا من مبدإ سليم في حد ذاته وهو مبدأ العدالة الاجتماعية.

هذه كلها أشكال من “الجفاف المتعدد الجوانب” الذي تعرضت له بلادنا.

يتواصل