الدّيْن العام لِمُوريتانيا ومُغالطات وزير المالية…:/ سعد حمادي

منذ أيام, علّق معالي وزير الاقتصاد والمالية ردًّا على تحذير نائب مدير صندوق النقد الدولي من خطر تراكم الديون على موريتانيا, وبدل أن يعترف معالي الوزير في تعليقه بحجم الكارثة وخطورة سياسة الاقتراض المُتواصل أو يشكر نائب صندوق النقد الدولي على النصيحة, فقد كتب تدوينة مليئة بالمُغالطات, وكعادته فلَم يُفوِّت معالي الوزير فُرصة التعليق من أجل صرف النظر عن المُشكل الحقيقي, وهو قضية الدين العام لِموريتانيا.
لم أعرف من أين أبدأ ولا أدري أية تلك النقاط التي تطرق لها معالي الوزير هي الأجدر بالتفنيد, لكنني أردت في هذه التدوينة توضيح بعض المُغالطات التي قُصِد منها بشكل واضح تلطيخ الصورة في ذهن بعض المُواطنين و إيهامهم بأن الدين الموريتاني هو في حدود معقولة, وأن موريتانيا بخير, لذلك أردت تسجيل بعض المُلاحظات:

1. مدير صندوق النقد الدولي دقّ ناقوس الخطر و أبرَزَ بوضوح اقتراب موريتانيا من المراحل الحرجة بسبب سياسة الاقتراض المُتواصل, وهو أمر لا يختلف عليه اقتصاديان اثنان. والسؤال هو: أيهما تُصدقون, نائب مدير إحدى أكبر الهيئات الاقتصادية المانحة في العالم أو السيد المختار ولد اجّاي؟ وسأترك لكم الإجابة.
وبالمناسبة, فقد تقاطع تصريح لأحد خُبراء البنك الدولي منذ أيام قليلة مع ما قاله نائب مدير صندوق النقد الدولي, خصوصا فيما يتعلق بإضاعة النظام الحالي لِفُرص ذهبية في تحقيق تنمية اقتصادية زَمَنَ الطفرة.

2. ما قاله معالي الوزير من أن الدّيْن الموريتاني العام بلغ سنة 2000 نسبة 217% مُقارنة بالناتج الإجمالي الخام أمر صحيح, لكن كان هنا لك سببان رئيسيان لذلك الارتفاع:
أ- أن الناتج الإجمالي الخام لموريتانيا أنذاك كان لا يزال صغيرا, إذ لم يتجاوز سنة 2000 أكثر من مليار ومئتي مليون دولار (في حين أنه اقترب سنة 2013 من 6 مليار دولار بسبب الطفرة), ومع ذلك فإن الحجم الفعلي للدين وقتها كان أقل كثيرا من حجمه الآن;
ب- أن تلك الديون تراكمت على مدى عُقود من الزمن, كما أن مُعظم الدُّفعات التي كانت تُسددها موريتانيا لدائنيها وقتها كانت في الحقيقة فوائد لِخدمة الدين, وهذا ما قد لا يعيه المُواطن العادي, وهو أن نِظام ولد عبد العزيز لن يتأثر كثيرا بالدين العام, لكن المواطنين الموريتانيين عامة, خصوصا من أطفال موريتانيا اليوم و من الأجيال القادمة سوف يذوقون مرارة دفع الدين في المُستقبل, بل إن مفعول تراكم الدين, إن هو تواصل على منواله الحالي, قد يُعجل بحصول انهيار اقتصادي في البلد, وإن كان تدارك الأمر لا يزال مُمكنا, خصوصا إذا ما قرر النظام وقف الاقتراض, وهو أمر يصعب تخيله, لأن النظام اعتاد تلك العادة.

3. ما تجاهله معالي الوزير هو أن الارتفاع القياسي سنة 2000 للدَّيْن الموريتاني – وديون دُول فقيرة أخرى – هو أصلا ما حدى بمجموعة الثمانية إلى طرح مُبادرة شطب الديون عن الدول الأكثر فقرا, لأنه بدا واضحا ساعتها أن الدُّيون أصبحت تُثقل كاهل مُعظم الدول الفقيرة لدرجة بات معها صعبا تخيل أنه بمقدور تلك الدول مُواصلة الإيفاء بالتزاماتها, كما أن الرأي السائد ساعتها كان أن شطب الديون سيُشكل فُرصة لِضخ دِماء جديدة في اقتصادات الدول الفقيرة, وهو ما قد يُساعدها على تحقيق مُعدلات نمو ستُنعش اقتصاداتها, كما ستساهم في فتح أسواق جديدة لدُول الثماني, ناهيك عن أنها ستساعد في كبح جماح الهجرة من الدول الفقيرة إلى الدول الغنية.
لسان حال الوزير يقول: ما دُمنا لم نُغرق موريتانيا من جديد في الديون, فإن استلافنا على ظهور الموريتانيين أمر مُباح, لكن ليس هنالك ما يضمن أن فُرصة أخرى لشطب الديون ستتكرر, بل إن أغلب الظن هو أنها لن تتكرر مرة أخرى.
تجدر الإشارة إلى أن الكثير من الدول الإفريقية بعد شطب ديونها كبحت من حجم الاقتراض وتعلّمت كيف تُنعِش وتُنوع اقتصاداتها مع الإبقاء على ديونها في حدود معقولة, لكن موريتانيا قررت السباحة عكس ذلك التيار, وطفِقَ النظام الحالي يقترض بِنَهم, والأغرب أن مُعظم الديون التي راكمها النظام الحالي تم اقتراضها أثناء تحقيق أكبر طفرة اقتصادية شهدتها موريتانيا في تاريخها.

4. الدين الموريتاني العام هو الآن في حدود 5 مليارات دولار (ما يُعادل ترليون و 800 مليار من الأوقية), وهو أعلى رقم وصل إليه الدين الموريتاني في تاريخه, وعلى عكس الأنظمة السابقة التي راكمت ديونها لفترة عقود من الزمن, فإن الدين الحالي تراكم في وقت قياسي وهو نتيجة مُباشرة لسياسة الاقتراض التي انتهجها النظام الحالي, و معالي الوزير يعرف أنه وقّع في الأشهر الأخيرة على الكثير من الاتفاقيات التي اقترضت موريتانيا بموجبها عشرات المليارات من الأوقية, انضافت إلى الدين العام.
معلومة أخرى قد تُفيد الوزير هو أنه على الرغم من أن بعض الدول الإفريقية سنة 2000 سجلت نِسبا أسوأ من موريتانيا وقتها من حيث ارتفاع الدين مُقارنة بالناتج الوطني, إلا أن موريتانيا اليوم هي إحدى أكثر الدول الإفريقية تأثرا بخطر الدَّيْن, وكلام نائب مدير صندوق النقد الدولي شاهد على ذلك.

5. ما قاله وزير المالية من أن الدين العام في موريتانيا سنة 2007 كان يُمثل 96% من الناتج الوطني الخام غير صحيح إطلاقا, بل إن سنة 2007 كانت هي السنة التي تم فيها شطب الديون عن موريتانيا, والمنحنى في الصورة المُرفقة يوضح أن حجم الدين سنة 2007 كان الأقل مُقارنة بكل السنوات الأخرى في الصورة, كما أنه كان في حدود 1.2 مليار دولار, في حين كان حجم الاقتصاد ساعتها 3.3 مليار دولار (الرابط المُرفق), أي أن نِسبة الدين كانت في حدود 36%, باحتساب الدين الكويتي, وكان بالإمكان سداد مُعظمها زمن الطفرة.
في نفس الفقرة, يُحاول الوزير إيهام القارئ بأنه تم شطب الديون سنة 2000, وأن موريتانيا بدأت في الاقتراض من جديد حتى وصلت نِسبة الدين إلى 96% سنة 2007, لكن لا أساس من الصحة لأي رقم من تلك الأرقام, وعلى العكس فإن فترة الحكم الانتقالي برئاسة الرئيس الراحل اعلي ولد محمد فال شهدت إحدى أكثر الفترات ترشيدا, وكان الترشيد في تلك الفترة أحد الشروط التي فرضها الدائنون على الدول المدينة من أجل الظفر بشطب الدين.
لكم أن تلاحظوا أسلوب التضليل, فمن بين كل السنوات فقد اختار معالي الوزير سنة 2000 – وهي الأسوأ – كمقياس, كما أنه يخلط بشكل مقصود بين النِّسَب والأرقام في أسلوب يُشوش على ذاكرة القارئ ويصرف نظره عن الموضوع.

6. كعادته فإن الوزير لم يدعم كلامه بأية أدلة أو يُرفِق أية روابطَ يُمكن للقارئ أن يعود إليها من أجل التأكد من صحة كلامه, وكأنه لا يزال يُراهن على سلامة صدور مواطنيه لِدرجة السذاجة, وهذا أمر مؤسف, خصوصا عندما يتعلق الأمر بشخص وزير يُفترض أن يتّسِم كلامه بالمصداقية, لا سِيما أنه هو نفسه في تدوينته الأخيرة عن الدّين الموريتاني العام قال في الفقرة الأولى ما نصه: “أولا أاكد أن عهد حجب المعلومات عن المواطن و تزوير الأرقام والتلاعب بها قد ولى إلى غير رجعة. منهجية هذه الحكومة هي المكاشفة والمصارحة والشفافية مع الرأي العام وفِي كل القضايا”. والسؤال إذا هو: لِماذا تحجبون المعلومات الصحيحة عن المُواطنين؟ ولماذا تلجأون إلى المُغالطة والتضليل أكثر من أي حكومة في تاريخ موريتانيا؟ ولماذا تتس

7. حتى لا أكون مثل الوزير, فسأقدم الروابط التالية لأرقام مصدرها هيئات دولية ذائعة الصيت كدليل على صِحة كلامي.

رابط

رابط

رابط

Saad Hamadi من صفحته على الفيسبوك