آراءموضوعات رئيسية
يوميات ضائم: القرآن ليس ”ختمة“/ محمد رياض العشيري
القرآن ليس ”ختمة“
”القرآن“ في القرآن
يرتبط شهر رمضان بالقرآن الكريم نزولا، ويرتبط به أيضا تلاوة إذ يقبل كثير من المسلمين على قراءته، بل ختمه فيه. وللمسلمين في ذلك عادات وتقاليد أحسب أن فيها ابتعادا عن تعاليم القرآن ذاته.
ولكن كيف تحدث القرآن عن “القرآن”؟
أصل الكلمة
يستخدم كتاب الله تعالى غير اسم لوصف ما أنزل على نبيه الكريم، فهو “الكتاب”، وهو “الذكر”، وهو “الفرقان”، وغيرها. لكن “القرآن” هو أكثرها شيوعا فيه.
ومن يتتبع كلمة “القرآن” في المصحف ترتسم في ذهنه صورة مكتملة عن هذا الكتاب من نواحيه كافة: مصدره، وطريقة نزوله وتنزيله، وصفاته، والهدف منه، وآداب التعامل معه قراءة واستماعا، ثم موقف الناس منه.
وقد اختلف العلماء في تفسير الكلمة من حيث أصلها ووزنها صرفيا ومعناها، وهل هي من فعل “قرَن” أي ضمَّ وجمع، أو من فعل “قرَأ”. وادعى مستشرقون أن أصل “قرآن” و “كتاب” ليس عربيا، بل سريانيا، لأن الكلمتين – كما يقول نولدكه في (تاريخ القرآن) – ذاتا مضمون ثقافي، وربما وفدتا إلى العربية من الشمال، من منطقة الهلال الخصيب.
ولست أتفق مع هذا الرأي، لأن القرآن في رأيي كتاب أنزل ليُتلَى ويُقرأ. والقراءة والكتابة كانتا معروفتين لدى العرب الذين كانوا يقرضون الشعر، ويعلقون ما راقهم منه مكتوبا على أستار الكعبة. والصيغة الصرفية “فُعلان” من صيغ العربية المعروفة، في مثل “غُفران”، و”خُسران”، و”قُربان”.
ملامح الصورة
وهذه هي بعض ملامح صورة “القرآن” في سور القرآن:
تلقى نبينا الكريم هذا الكتاب من الله تعالى “وإنك لتلقَّى القرآن من لدن حكيم عليم” (النمل:٦)، عبر الوحي “… وأوحي إليَّ هذا القرآن…” (الأنعام:١٩).
وقبل تلقيه نزل القرآن إلى السماء الدنيا مرة واحدة. ويستخدم الكتاب في الإشارة إلى ذلك فعل أنزل، “شهر رمضان الذي أنزلفيه القرآن” (البقرة:١٨٥)
ثم أخذت آياته تُنزَّل على النبي الكريم متفرقة بحسب الأحداث. ويشار إلى ذلك باستخدام فعل نزَّلَ، “وقال الذين كفروا لولا نُزِّلَعليه القرآن جملة واحدة …” (الفرقان:٣٢). وكانت الآيات تُقرأ على النبي ويُعلَّمها تعليما حتى لا ينساها، “الرحمن، علَّم القرآن” (الرحمن:٢)، واستخدام صيغة فعَّل أي علَّم تدل على طول فترة التعلم، حتى لا ينساها، “سنقرئك فلا تنسى” (الأعلى:٦).
ولقد كان تنزيل القرآن على النبي فرضا، ولم يكن له خيار في ذلك. إذ إنه اختير لمهمة وعليه الوفاء بها، “إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد …” (القصص:٨٥).
واشتملت عملية تعليم النبي أيضا على الطريقة الصحيحة لقراءة الكتاب. ومن ذلك ترتيله “… ورتل القرآن ترتيلا…” (المزمل:٤)، أي اقرؤه على مَهَل، “وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث…” (الإسراء:١٠٦). وأمْر الرسول عليه السلام بالتمهل في تلاوته وقراءته على قومه يساعدهم بلا شك على فهمه وتدبره.
وهدف القرآن هو الهداية والإنذار “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم …” (الإسراء:٩)، و “و أوحي إلى هذا القرآن لأنذركم به…” (الأنعام:١٩).
وهنا تشير آيات الكتاب إلى نقطة مهمة من وراء إنزاله، ألا وهي أنه جاء لإسعاد الناس، وليس لشقائهم “… ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى” (طه:٢). وهذا يؤكد فكرة يسر الدين وألا حرج فيه.
ولكن كيف تلقى أهل مكة القرآن؟
لقد رفضوه، “وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن…” (سبأ:٣١). ورفضوا فكرة نزوله على رجل ليس من كبرائهم، كما كانوا يتمنون “وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم” (الزخرف:٣١). وحينما أصبحوا أمام أمر واقع لا يستطيعون تغييره، أخذوا يتمحكون، “وقال الذين كفروا لولا نزّل عليه القرآن جملة واحدة…” (الفرقان:٣٢). لكنه ظل ينزَّل ولم يعد أمامهم سوى نهي الناس عن الاستماع إليه، والتشويش عليه “وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه” (فصلت:٦).
وهكذا كان موقف الكفار من القرآن، موقف الرافض الهاجر “وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا” (الفرقان:٣٠)، وموقف المشكك فيه بالقول حينا إنه سحر، وحينا إنه شعر، وحينا إنه كهانة، “الذين جعلوا القرآن عضين” (الحجر:٩١).
وهذا من أسف هو أيضا موقف بعضنا الآن، إذ إننا هجرنا القرآن وأصبحت المصاحف زينة مغلفة في المنازل لا تفتح ولا تقرأ، وبركة في السيارات تدلّى ولا تتلى. وباتت الآيات صورا ورسومات تتبادل على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا تتدبر.
وللقرآن آداب في التعامل معه علمنا إياها القرآن ذاته، “وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوالعلكم ترحمون” (الأعراف ٢٠٤).
أما إذا كنت أنت القارئ “فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم” (النحل:٩٨) قبل أن تبدأ القراءة. وحثتنا آيات سورة الإسراء على القراءة فجرا “… وقرآن الفجر، إن قرآن الفجر كان مشهودا” (الإسراء:٧٨)
وحتى تستطيع فهم معانيه عليك ألا ترهق نفسك بالكثير من الورد، “فاقرؤوا ما تيسر من القرآن…” (المزمل:٢٠). لذلك تحضنا آيات كثيرة على تدبره “أفلا يتدبرون القرآن، أم على قلوب أقفالها” (محمد:٢٤)، و”لقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر” (القمر:١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠).
لقد أصبح ختم المصحف لدينا، خاصة في شهر رمضان، كل ثلاث ليال، أو سبع ليال، أو كل شهر، هو جل همنا. ننتشي حين ننتهي منها وكأننا أدينا فرائض الدين كاملة. ثم ننخرط في حياتنا وأعمالنا وقد نكذب أو نخون أو نسرق أو نختلس أو نغش أو نقسو أو نهين أو نخاصم أو نقاطع أو نسب أو .. أو .. وكأننا لم يبق في صدورنا حرف مما قرأنا. وأصبحنا أمة تشقشق بالآيات دون وعي، نقتطعها من سياقها بلا تفكر، ونقبل بلا تدبر، بل قد نروج، لأفكار وتفسيرات بعيدة عن القرآن ومقاصده لأنها صادرة عن أناس يدعون الدين ولأننا لم نتدبر ما قرأناه من الآيات ولم نحاول فهمه.
162 تعليقات