آراءموضوعات رئيسية

هذا الرئيس.. النيات الطيبة لا تكفي/ محمد محفوظ أحمد

 النوايا الطيبة لا تكفي! لدي ملاحظات قد عبرت عنها عدة مرات… وهي أن هذا الرئيس (السيد محمد ولد عبد العزيز) ليس طاغية ولا جبارا في الأرض. إنه على المستوى الشخصي، وبالتواتر، رجل طيب؛ أكثر تدينا وأكرم أخلاقا من كثير من معارضيه. كما لا مطمع في وطنيته وحبه الخير لبلاده وشعبه وأمته، كما لنفسه. ومن الشائع أنه يكره الظلم والعنف… هذا على المستوى الشخصي الذي لا غبار عليه… لكن ما ذا عن المستوى العمومي الذي يهمنا ويهم الرعية كلها؟ بداية يحسب لهذا الرئيس بشكل خاص ما ميز حكمه من الحريات العامة، وخاصة حرية التعبير، وتحاشي الاعتقالات ونبذ سجون التعذيب… مع استثناءات واضحة في كل ذلك. صحيح أن الظروف الاقليمية والدولية قد ضيقت على “الانقلابيين” عامة، واضطرتهم لإرخاء قبضتهم و”التجمل” في قمعهم للناس. لكن مع ذلك من الواضح أن هذا الرئيس لا يميل إلى نهج الديكتاتورية القمعية الشرير، رغم محاولات البعض لدفعه إلى ذلك؛ تأييدا أو تملقا، أو ولاء فطريا للاستبداد والتحكم! وإنما يأخذ منها لنفسه ويترك الآخرين بسلام وحرمان! إنه مع ذلك بعيد من أن يكون صاحب نظام ديمقراطي لا شية فيه. ولكن ذلك يدخل ضمن “العجز العام” والقصور الذاتي الذي هو سمة نظامه. فعلى المستوى العام ـ الذي يهمنا ـ جاء هذا الرئيس أصلا بظلم بيِّن حين داس رأي الشعب وإرادته الحرة نسبيا، فأطاح برئيس مدني منتخب لأول مرة بحرية (وإن كان هو رشحه من وراء حجاب). والحالة الموريتانية تقتضي أن الحاكم “المتغلب” يظل حاكما حتى ينقلب عليه حاكم آخر غدرا وفجأة… سواء خلع لامته بعد ذلك ونظم انتخابات “ديمقراطية” أو ظل في بدلته العسكرية (وهو أكثر صدقا وأقل كلفة)! وهكذا فإنه رغم انتخابين اثنين عامين، ووجود برلمان ومجالس منتخبين، ما يزال هذا النظام في جوهره وبقائه وتدبير سلطته… نظام جنرال يسيطر على السلطة بحذافيرها سيطرة شخصية مطلقة… ويستخدم وسائل الدولة وقدراتها المادية والمعنوية لتعزيز قبضته. ولو أدى ذلك لإلحاق الضرر بجوهر الدولة نفسها؛ كاعتماد واستغلال القبلية والجهوية والفئوية والزبونية… وتأسيسا على ذلك وتأثرا بواقعيته، فلا أحد الآن على يقين من أن الرجل سيغادر كرسيه أو “عرشه”، ولا أنه سيفعل ذلك، إذا تظاهر بشيء منه، مخلصا مختارا… ونحن على بعد أشهر معدودة من أجَل فصله دستوريا!! لكن لما ذا يعارض البعض بقاء هذا الرئيس الوطني الطيب في السلطة؟! *
كما بدأت القول فلا توجد مشكلة شخصية، بل المشكلة هي ضعف الكفاءة ومحدودية الأفق في مجال الحكم والتسيير (ؤلِّ ماه افْليدْ ما اتجِيبو العزة). قد يكون الرئيس أو القائد غير متعلم ولا كفء، ولكنه يملك القدرة على فرز الرجال واقتناص الكفاءات الوطنية وتفويضها، بغض النظر عن نفوره الشخصي منها. أما إن كان الرئيس بلا مؤهلات للحكم أصلا، ويتوجس خيفة من أصحاب الكفاءات، ولا يأمن أحدا على ثغر، ولا يمنح أعوانه الصلاحيات ولا الوسائل، وتُوجهه الاعتبارات الشخصية؛ فيدني الفاسد المعلوم الفساد (وأحيانا المحكوم به قضائيا) ويقصي الكفء ذا الرأي والاجتهاد… ولا يقبل تصريف صغيرة ولا كبيرة إلا بعلمه وأمره. ويحتكر الأمن والقضاء وشؤون المال العام… ولا مجال لمحاسبته أو مناقشته من أي جهة قانونية أو سلطوية… فهذا هو الحال هنا، وهو المشكلة بالضبط. * تصطدم حالة العجز عند نظام الاستبداد بحالة من المكابرة الدعائية تعتمد على احتقار الرأي العام واستغلال تغفيله أو عدم مبالاته… فتسوق له منجزات خيالية أو مغشوشة على أنها من صنع الرئيس وإنعامه على العباد الذي “لم يسبق له نظير”! إن الإعلام الرسمي والسلطات والحزب والمسؤولين في الدولة وفي الإدارات مخولون الحديث عن المنجزات والنجاحات فقط… ولا يمكن أن يشيروا، مجرد إشارة، إلى أي خطأ أو نقص أو تقصير أو فشل… في أي مشروع ولا أي برنامج ولا أي نشاط حكومي… كما أنهم يستحيل أن يتحدثوا عن الأموال العمومية والموارد التي تصرفها الدولة في غير محلها أو تهدرها هدرا… فهذا مما يجب جهله. إنها مثالية مطلقة! فإذا انجزت الدولة بئرا ارتوازية أو بَنت مدرسة أو نقطة صحية… فهذا من عرق جبين الرئيس وأفضال حكومته، ولا يجوز التساؤل إن كانت الأموال الباهظة التي بذلت فيه من المال العام: هل كانت ضرورية كلها لهذا المشروع، وهل هو الأولى والأهم… وكيف تولى إنجازه هذا المقاول أو ذاك…! هذه السلطة همها “تزكية” إنجازاتها الزهيدة، ومحو إخفاقاتها الكثيرة. والواقع يكشف كل ذلك. ومعركة السلطة المصيرية هي نفي ذلك الواقع والقفز فوقه، أو في أحسن الأحوال تجاهله والإعراض عنه! * إن البلاد بحاجة إلى هذا الرئيس وهذا الحزب، لمواصلة مسيرة الإنجازات… لأن البديل عن ذلك سيء وقد يكون خطرا محدقا! ** ليست هذه المقولة الابتزازية صحيحة ولا مقبولة؛ فهذا الرئيس ما كان، ولن يدوم… وقد قدَّم ما لديه، ونظامه نظام فردي ضيق، لا يعلم المفسد من المصلح ولا يفرق بينهما إلا بالقرابة أو التملق… والإعداد لإبقائه في السلطة بعد استفراغ مأمورياته الدستورية (على علة أصلها غير الدستوري) فتنة في الأرض وفساد كبير. هذا وليست السلطة هي صاحبة الفضل المطلق في الاستقرار والسلم الأهلي (وإن كان ذلك واجبها)؛ بل موروث التآلف والتعايش السلمي والتعاون والتكافل بين هذا الشعب في ظل غياب السلطة المركزية ما يزال هو العامل الحاسم المعول عليه بفضل الله. فلم يؤثر فراغ السلطة (1978، 1981، 2003) في حالة الاستقرار والأمن في جميع أنحاء البلاد. ومع ذلك يجب تفادي أي فراغ في السلطة، وضمان حضور الدولة ومؤسساتها… وأول وأهم شروط ذلك هي احترام الدستور والقوانين وتطبيق التناوب السلمي على السلطة، في ظل مؤسسات قوية نقية لا ترتبط بالأشخاص ولا حتى بالحكومات (فعلا لا تقولا!).
إنهاء الدردشة
اكتب رسالة…
 
العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى