آراء

مدينتي! candide ou l’optimisme . بقلم الدهماء

أقلعتْ الانتخابات وغِيضَت الضمائر.. وانتهى شوط رمي الجمرات بين “الاتحاد وتواصل”،..
الشمس تلقي بآخر أشعتها على العاصمة، في الساعات الضائعة بين العصر والمغرب، وما تزال حارقة،.. لكن لا عتب، فهي تتولي -تكرّما- مهمَّة الصرف الصحي..

مزاج شُتنبر يتقلب كل دقيقتين مناكدة وتربُّصا، كجموحٍ طارئٍ لطفل عنيد،.. أغمستُ أصبعي في حبر واجب المُواطنة، وولَّيتُ ظهري لحي الفِلَل المُغلقة، الباردة كالقبورِ المفتوحة،.. بأحاديثه المُبطَّنه وشروطه المتقدّمة التفاهة، وصوّره المُتشابهة،.. وضربتُ كَبِدَ حذاء تَنس عتيق باتجاه سوق كابتال،..
فبعد أسابيع من التَّفرج على القرف المُنفعل، أشعرُ برغبةٍ في احتساء جرعة من نبيذ الحياة الأصلي، بمباهجه الصغيرة، ومن يَدِ المَتْروكين لأنفسهم من مثلومي الجيوب، …

أَصِلُ إلى الساحة الواقعة شمال غربيّ السُّوق الذي يُبدِّل تعابيره بجهد بطيء منذ طفولتي ،.. ساحة تقتات بشراهة على المتناقضات، أوغلُ فيها وأتيهُ في الزَّحمة العشوائية،.. هناك اجتمعتْ كومة من أسباب تشويه مركز المدينة، التي ترْكَبُ شَططًا في القبح مع كل بَلَلٍ،.. هناك يختلط زعيق بائع الرصيد المُنغَّم، ببُكائيات وعْظٍ لشيخ خليجي،.. تختلط رائحة زيت القلي المتأكسِد برائحة النعنان وأكوام القمامة الشوهاء، بالسوائل البشرية المسفوكة على الرصيف، .. و المُحصِّلة.. عبق خارق للطبيعة،..

تمتلئ الساحة عصرًا بكتل بشريَّة تتفصد عرقا، بائعة تقلِّبُ ملابس أكلت عمرها، مستكينة الى بؤسها الدَّاخلي،.. بَسْطاتُ كُتُب على الأرض، يفترشها ذباب سطل حديدي كتب عليه “بَيْعُ لحم الحيوان”.. لا يبيع – مثلاً – لحم البشر!، .. آخذ مكاني على سطلِ صباغة قرب “الساعاتي” الغيني، الذي يستقبلني دومًا في بلاهة مسرورة، ومازال على عهدي به يُمارس ثرثرته المتشبِّثة بالتَّوافه، أغيِّر لديه بطارية ساعة أُحيلت على التقاعد ولن تلمس معصمي،.. أتفرَّسُ، أتأمل وجوها هُرِست بين فكي الحياة، وذهني ضائع في زمن سابح، أصغي إلى صمتِ نفسي في عالم معتم التقاطيع، يموج في تعاسات فردية،.. أمارس براحة نموذجي الفردي في العصيان الطبقي..

غير أن نظاراتي السوداء السميكة، و أنمُلة سبَّابتي المُنشغلة بتثبيت نقابي على أرنبةِ أنفي، تُنبِّهني إلى أن قَناعاتي عاريَّة الظَّهر، تُضعفها العُقد الاجتماعية والارتعاد من أحكام الأصنام المنتفخة، الطافية على سطح مجتمع نلتصق به بالانتماء القهري.
أنتقِلُ الى “النَّظاراتي” أراجع إطار نظارة ركنتها بعد أن تجاوزها ضعف نظري،…في النهاية هي مُجرد ذرائع للتَّسكع!،.. أقرفصُ بجانب بسْطة الكتب، .. ذبابُ الجزَّار يوقِّعُ بمؤخرته بوقاحة على الأغلفة.. تعيدني رائحة الورق المتعفِّن لطفولتي.. كنتُ ألعنُ الرَّبو الذي يشترط عليَّ عدم الاقتراب من العفن،.. أمسكتُ بكتاب “Candide ou l’Optimiste ” لفولتير ، كنت متلاصقة مع سيدة تنقِّبُ في منجم بسطة أحذية من اللدائن الصينية ، لكن عينها تتعقبني .. ثم تسألني: مالك ولهذا الجدول (صورة الغلاف)؟، هل هو من كتب السِّحر؟، ضحكتُ من القلب ، حشريَّة البُسطاء العفوية ممَّا ابحثُ عنه في السَّاحة،…
فجأة، يطوون بسطاتهم في تدافع، يهرولون لحماية أحلامهم من عُمَّال البلدية والحرس الذي يعاملهم – باسم القانون – كبهائم ملوثة بالبراز،.. رغم أنهم يجتازونهم في تعاستهم.

في الساحة أيضا طفل مُتخلِّفٌ عن قافلة التعليم، مُتطرِّف في سعادته، يتراكض بأكياسه، يُعابث المتسوِّقين وهو يعرض بضاعته بلهجةِ من لا ينتظر نتيجة.. ، شبابٌ يغسل السَّيارات ويقتل الوقت بمُخاشنة بعضه في مزاح وصراخ،.. بائع مساويك تجمَّع الزَّمن على جبينه والشيب على قحف رأسه يمارس الانكماش عن الترف دون امتعاض،.. بائعة فطائر سنغالية يغازلها جارها الإسكافي وهو يبعث الرُّوح في حذاء مُهترئ،.. تمزُّ شفتيها بإحكام وترميه بنظرة عتبٍ في دلال و”تمزمز”، ثم تنفجر ضاحكة وهي تتلوَّى و تتنشَّق مُخاطها ،.. ضحكٌ بطاقة ذرية!،.. ففي الساحة تتحرَّر المسكوكات اللفظية بلذّة من كل قيد أخلاقي؛

منذ عقِلتُ والبؤس المتوسِّطُ يتراكم على اسفلتِ تلك البقعة-الوصمة، فثمة شيء فظيع الإهمال يحيط بتسيير مركز مدينة مبقعة قبحا.
اتجه شمالاً صوب منعرج مخبز حجَّار… مخُّولْ حجَّار!، كان صديقا مُقرَّبا لعائلتي.. كانت الساحة أقل كثافة وأكثر “مَدنيَّة”، تحفها المتاجر اللبنانية.. اشتري كيسًا من الفول السّوداني المُحمَّص… واستمر سيرًا الى أن أصل الى الظِّل الشرقي للبنك الوطني لموريتانيا، هناك عند جذع شجرة آكاسيا هرمة، تختبئ مكتبة من دولاب وطاولة منذ عقود،.. شيء حلو من كل شيء، كبقايا سَلَطَةِ فواكه باردة،..
بدأتُ معها مُتشبِّثة بيدِ شقيقي ورأسي بالكاد يتجاوز ركبته، كان يقتني منها بعض اهتماماته في المطالعة وقتها Les Aventures Gauloises, Western روايات SAS التجسسية، غراميات Nous Deux المُصوَّرة لفاتنات إيطاليا،.. وفي نهاية الجولة يبتاعُ لي قطعة حلوى وقمع ثلج من مطعم السّندباد..، بعد سنين تلمَّستُ طريقي نحوها بمفردي، اشتري Tintin و Balthazar Picsou … ثم في المراهقة أُمَرِّنُ أوْتار عواطفي على روايات Harlequin (عبير بالعربية).. ثم جاء دور أطفالي من بعدي في ارتيادها.. وشاخ مالك المكتبة، وأصبح غيابه عنها أكثر من وجوده فيها.

يستطيل الوقتُ دون أن أعلم، إلى أن يُنبِّهني صوت أنفاس المُؤذن، وهو ينفثها في مُكبِّر الصَّوت، ويقرع رأسه بأصابعه ليستيقظ لأذان المغرب، ..أُنْهي حصَّة من الضَّياع المُريح في مربع الإهمال ، في رُقعةٍ أتجاذبُ معها شيئًا ما منذ طفولتي،.. وأقْفلُ راجعةً الى سيّارتي، ومن خلفي مركز مدينة كئيبة، ألقتْ إليها موريتانيا بِرَحِمِها بعد أن أحبَلَتْهُ بالتخلف والتَّريّف والبداوة.. هذه المدينة التي يتصارع عليها السَّاسة اليوم وكأنَّها غانية من غواني هارون الرشيد .. ألا يحتقرونها في دخيلة انفسهم.؟.. تحياتي.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى