أحلام دعاة الكراهية محض سراب.. / و م أ/ الوكالة الرسمية

أتيح لكاتب هذه الأسطر وهو بعد في المرحلة الإعدادية، أن يحضر ندوة ثقافية نظمت بالعاصمة نواكشوط في الثمانينات حين كان الحراك السياسي، غير المرخص يومها، في غاية الاحتدام.

كان بين المشاركين في الندوة شيخ وقور يحظى باحترام وتقدير الحضور باختلاف أطروحاتهم وتوجهاتهم.

وقبل اختتام الندوة حدث أمر لم يكن متوقعا.. تقدم شاب ممتلئ حماسا إلى المنصة والتقط المايكروفون وقال: “لن نبرح هذا المكان اليوم حتى يبين لنا فضيلة الشيخ أي توجهاتنا على حق وأيها يجانب الصواب.

ضجت القاعة وسارع البعض لانتزاع المايكروفون من الشاب، لكن الشيخ الوقور ضبط إيقاع القاعة بالدعوة إلى الهدوء، قبل أن يتوجه إلى الشاب قائلا: “أي بني، هذا الذي سألت عنه يتعلق بالجدار الداخلي للأمة، والأمة التي لا تصون جدارها الداخلي من المخاطر، يتعرض جدارها الخارجي للتهديد وتضع مصيرها على كف عفريت”.
لم يكن العالم يومها قد عرف الفضائيات بغثها وسمينها ولا وقع في حبال الشبكة العنكبوتية ووسائل تواصلها الاجتماعي بـعجرها وبجرها.

كانت بلدان كثيرة يومذاك متمتعة بمكانة تنموية وإقليمية هامة، لكن عدم مراعاة بعض أبنائها لـ “جدارها الداخلي”، جعلها للأسف الشديد تجد نفسها فريسة الصراعات الفكرية والنعرات الطائفية، فهانت قوة مجتمعاتها وأصبحت في مرمى نيران المتربصين والطامعين.

من المؤكد أن الموريتانيين كل الموريتانيين، وطبعهم الافتتان بالعافية وراحة البال، لا يريدون لبلدهم مثل ذلك المصير ولا حتى الاقتراب منه..
وتحفل صلواتهم بالغدو والآصال، بدعوة الباري سبحانه، أن يديم على وطنهم الغالي، نعمة الأمن والاستقرار ويمن عليه بالخير والسلام والمزيد من التقدم والرخاء.
إننا مطالبون جميعا كل من موقعه وبما يتاح له ولو شطر كلمة، بإغلاق كل السبل أمام أي محاولة لتعكير صفو المجتمع والإخلال بانسجامه وأريحيته.

ويأتي قادة الرأي في مقدمة من يجب أن يتحمل المسؤولية، ويكثف جهود إشاعة روح الأخوة والتعاون، والتصدي بالحكمة لدعوات التفرقة والفئوية، ترسيخا لروح التسامح والتكافل والأخوة ونبذا للتفرقة والغلو والتطرف بكافة أشكاله.
ومن الوارد في هذا السياق، أن يتم التذكير بالقيم المشتركة للمجتمع الذي يجب أن يكون تنوعه مصدر غنى لا سببا للتجاذب والتناحر أو التنافس غير الإيجابي.

ولاشك أن كل ما يعزز الارتباط بالوطن والشعور بالفخر للانتماء إليه دون غيره من الأوطان، هو الآخر يجعل الأفراد يرتبطون به أكثر ويحولون دون كل ما من شأنه تهديد أمنه أو استقراره فضلا عن بذل الغالي والنفيس من أجل تنميته وازدهاره.

ومن الطبيعي حينما يكون الشعور الوطني على هذا النحو، أن يفخر المواطن بمكاسب بلده وإنجازاته وعلى رأسها رفع التحديات الأمنية في عالم يشهد أزمات حادة عصفت بالعديد من الدول.

إن الحفاظ على الوحدة الوطنية والتصدي لخطاب الكراهية والتطرف هو السبيل لصيانة المكاسب وتوفير المناخ المناسب لتحقيق المزيد منها.

ومن حسن حظ الشعب الموريتاني تمتعه برصيد ديني وحضاري كبير يحث من بين أمور أخرى،على التعاون على البر والتقوى وينهى عن التعاون على الإثم والعدوان ويعتبر أن الإيمان لا يتم إلا بأن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه وأن يد الله مع الجماعة ويحذر تحذيرا شديدا من إثارة الفتن لخطورتها البالغة على حاضر الأمم ومستقبلها.

ولاشك أن التصدي لمثيري النعرات العرقية والطائفية بقدرما يتطلبه من حكمة وحوار وإتاحة الفرصة للمنخدعين بالشعارات الكاذبة ومثيريها للعودة إلى رشدهم، بقدرما يستلزم الصرامة والحزم.

وهنا يتنزل الحديثان الشريفان: “ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق هذه الأمة وهي جمع فاضربوه بالسيف كائناً من كان”.

أما الحديث الثاني فيقول فيه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا”.

هكذا يكون ترسيخ الوحدة الوطنية وتدعيم اللحمة الاجتماعية والوقوف بثبات في وجه الساعين إلى إثارة النعرات العرقية وبث التفرقة بنشر خطاب الكراهية والعنف، واجبا دينيا وضرورة حضارية قصوى، من أجل حماية العباد والبلاد من أية مخاطر.
إن النجاح في هذه المهمة النبيلة ممكن وقادم بحول الله، وحينها سيدرك المغردون خارج السرب أن أحلامهم الدنيئة محض سراب.

أحمدو ولد محمدن الملقب عبد الرحمن

الوسوم