آراء

مقبرة انيبرش… عندما تـﮔـژر الدولة! / محمد محفوظ أحمد

يبدو أن روح الـﮔـژرة التي دبت في الدولة الموريتانية وأصبحت مسلكا مترسخا من مسالكها “الرسمية” لا تعرف الحدود… فقد خلقت “هستيريا” على حيازة الأرض، وخاصة في انواكشوط، مما أدى إلى توسع أفقي، كورم سرطاني، لهذه المدينة التي لا تتوفر فيها الخدمات المدنية الضرورية للعمران المعاصر. ويبدو أن جنون الـﮔـژرة قد تجاوز الدنيا إلى الآخرة؛ والسلطة سلطة ﮔـژرة ، إما راعية مشاركة وإما مهملة هاربة! تقع مقبرة “انيبرش” التاريخية على مسافة من العاصمة شمالا، في فضاء رحب كان محميا بوعورة مسالكه. وقد ظلت إلى يومنا هذا مقبرة محلية خاصة شبه عائلية لسكان المنطقة الأصليين، كما هو الحال في جميع أنحاء البلاد. (بخلاف المقبرة الكبرى لمدينة انواكشوط التي تجمع كافة “الغرباء” من الوافدين أصلا على المدينة الذين لا يرغبون أو لا يستطيعون نقل موتاهم إلى مقابرهم الخاصة). مقبرة “انيبرش” قديمة جدا، ويعود تاريخها المحفوظ إلى سنة 1019 للهجرة (1610م)، وهي معمورة منذ ذلك التاريخ إلى اليوم. ويوجد بها عدد كبير من العلماء والصلحاء والزعماء، ولها ديوان من الشعر الحساني والفصيح، مدحا وزيارة…

ومنذ أن يممت السلطة، في عهد النظام الحالي، وجهها شطر الشمال؛ فأنشأت المطار الجديد شمالا، ونقلت الجامعة شمالا، وأقامت محطة الطاقة الكبرى شمالا، وشيدت مركز أمراض القلب شمالا، وقصر المؤتمرات “المرابطون” شمالا، ورباط البحر شمالا، وميناء الصيد (تانديك) شمالا…

انفتحت شهية سماسرة العقار، و”الـﮔـزارة” من كل لون، للاستيلاء على الأراضي شمال انواكشوط، رغم صعوبة دخول تلك المناطق الرملية. وهكذا بين عشية وضحاها طوق “أكلة التراب” منطقة المقبرة. بينما أدى شق طرق وممرات جديدة إلى “ارتفاع قيمة” أرضها؛ فاقتحمها تجار الأرض والسماسرة، المتلاعبون بالسجلات العقارية. كان السكان المحليون المرتبطون بهذا المدفن، ماضيا وحاضرا ومستقبلا، يتولون بأنفسهم حمايته من طلائع “الـﮔـزارة” والسماسرة، ويرفضون حد فضائه بأي حدود أو أسوار، ليظل كما كان يستقبل السلف كله… إلى أن فوجئوا بقرار الحكومة الاجهاز على المقبرة رسميا وحصارها وتقسيم محيطها قِطعا أرضية تجارية أو سكنية…

وحين راجع الأهالي الدولة قالت إن المقبرة سَتُلف بحائط من الاسمنت يعزلها عن الأحياء (وذلك أصلا مطلب لرفع أسعار قطعها الأرضية لدى من يكرهون الأموات ولا يرغبون في جيرتهم!). وحسب وزير الإسكان والعمران فإن الحكومة قررت ـ على أعلى مستوى ـ التفضل على المقبرة بمترين، أجل مترين فقط!، مدفنا أو متنفسا من ذلك الجدار الذي سيقبر المقبرة! وقد أبان الوزير أن تلك “المكرمة” ليست إكراما للأموات الكرام ولا احتراما للمقبرة وتاريخها الخالد، وإنما لإسكات السكان من أهل الأرض الأصليين، وقطع احتجاجهم!! واليوم يبدو أن ذلك كان سوء تقدير لتجاوب السكان التقليدي مع الدولة وسكوتهم عن مضايقتها لهم وعن تصرفها بحرية في أراضيهم ومرابعهم، واستخفافا بمواقفهم المسالمة والمتسامحة. فقد تزايدت الاحتجاجات وتضامن معها الناس من كل مكان، وأوشكت المسألة على أن تأخذ أبعادا لم تكن في الحسبان. فما ذا ستفعل دولة الـﮔـزرة والنمروات بمقبرة “أهل الجنة” (انيبرش) الأهلية الحية…؟؟!!

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى