آراء

سيـرة ذاتية لوزير سابق / (محمد عبد الله البصيري)

اسمه : معالي الوزير .. تاريخ الميلاد : النصف الأخير من القرن العشرين.. محل الميلاد : أرض كانت تسمى أرض الرجال.. اسم الأب : آدم.. اسم الأم : حواء ..  المؤهلات الدراسية : حاصل على شهادات عليا.. مؤهل لنيل شهادة الزور المعمقة.. ومرشح للفوز بجائزة “ربيع التملق الوطني”.. وله تجربة عالية في تنظيم مبادرات التأييد و مسيرات المساندة.. المهنة : وزير فوق العادة وكامل السلطة.. المهام : أداء حقوق المواطن أو تحمل أوزاره  يوم القيامة..

عُين معالي الوزير على أساس جملة من المعايير لا تتوفر في كثير من الكفاءات الوطنية : سقوط أقنعة الحياء عن علاقته .. وكثرة أحمر الشفاه على ثغر حليلته .. وتنامي الوزن الانتخابي لموتى قبليته.. ونقع الخطيئة على ثنايا وسيلته.. وإعلان الشيطان الإشفاق من تحمل أمانته…

يدخل معالي الوزير مكتبه متأخرا كل يوم.. يستقبل مائة مكالمة هاتفية من الشيطان .. ويعتق عشرا من رقاب شهوات النفس.. ويئِد سبعين من مواد قوانين التسيير. تشغله عيوبه عن عيوب الناس فلا يعبأ بما يجرى خارج مبنى الوزارة.. سواء تفشى النسيان في مفاصل الوعود الاتنخابية.. او اعتصم الوجع الشعبي أمام أبواب الإجابة.. أو زهقت أرواح الأبرياء على طريق الإهمال.. لا يهمه معالي الوزير أن عثرت بغلة في العراق ..  أو نفدت قوارير حليب الأطفال في القدس.. أو رسمت تجاعيد المجاعة خريطة اليأس على وجنات مها الرصافة…

معالي الوزير لا يرى في مجلس الوزراء إلا غرفة لعمليات الصمت والتقاط الصور التذكارية.. إذا حضرَ اللجان الوزارية أو مثل البلاد في مفاوضات هامة يعرف كيف يرفع راياته البيضاء على ضفاف العجز أو شواطئ الإغراء.. ثم يقول لمستشاريه كل مرة إنه تندب الموافقة في ما لا فائدة فيه..

يعرف معالي الوزير من أين توكل كتف الميزانية.. ينفق كل يوم أضعاف أضعاف راتبه الشهري .. وما نقص ذلك من دخله اليومي شيئا..  يعطي ما لا يملك لمن لا يستحق .. ويستطيع الباءة من مخصصات الفقراء ومن التأمين الصحي للعمال.. ويعْلم من أنساب بنود ميزانية الاستثمار ما يصل به أرحام بنات طارق..

إذا ضاقت ذات اليد في ميزانية الأطماع، تسلق معالي الوزير أسوار الأخلاق آخر الليل .. وحطم جدران الحياء في وضح النهار.. يبيع بالعِينة قطع غيار الضمير..  يزيد البنود في ميزانية الوجبات السريعة.. يشتري بِرِبَا النّسيئة ما لا حاجة فيه لوزارته.. يوقع صفقة لتبديل مرايا الخديعة على نوافذ الإدارة .. وتغيير طلاء البهتان على واجهة الديوان..

يطلب معالي الوزير من ديوانه كل يوم رزمة من الملفات الجديدة .. أعدت لمشنقة التوقيع اليومي.. تحت كل ملف جنابة.. وفوق كل توقيع مؤامرة .. يمنح رخصة للصيد في أعماق المصالح الوطنية، ومقطعا لتنقيب الشركات متعددة الجنسيات عن أسرار الأمن القومي،  واقتطاعا ريفيا لزراعة بذور الشقاق بين فئات المجتمع.. يوقع صفقة لتبليط طريق سريع إلى الفساد… وبناء مستشفى لتشريح جثمان البلد، ومعهد لدراسة وهدم أسس التنمية الشاملة…

معالي الوزير أنيق جدا .. يعشق الجديد من خدائع الموضة .. ويقتنى أحدث منتجات التدليس.. نضّرت تجاعيد طلعته مراهم الكسل.. وغيبت بروق الشيب على رأسه أصباغ الفشل.. واحمرّت وجنتاه من مساحيق مزيلات الخجل.. بذلة معالي الوزير نسجت من عرق حبين المواطن.. لها أزرار من غسيل العملة الصعبة.. وقميص قُــدَّ من قُبُل التآمر.. وسرابيل من قطران الخطيئة.. هاتفه الذكي يسخر من معدل الذكاء الطبيعي لجميع أعضاء الحكومة.. ساعته الثمينة من أفخر ساعات الصفر في مجال التسيير.. وعطره الزكي من أحدث ماركات “لا يدخل الجنة ولا يجد ريحها”.. وإن ريحها ليوجد من مسيرة مائة عام…

نساء المدينة  قطعن أيديهن.. وبدّلن طيف الخيال بثلاثية أبعاد الأناقة.. ثم خرجن يستقضين فواتير العواطف من ميزانية الغريزة الوطنية… والسكرتيرات تهاديْن من أعلى البيوت يستبقْن باب الدلال، يُخالسن النظرة الأولى، ويعرضن آخر صيحات أزياء الطمع.. كيما يطوين على قدر المكارم أسمال شظف العيش…

معالي الوزير وديع جدا .. ما لم يدخل غريب حدود المنطقة العسكرية في ميزانية التسيير.. أو يطمع مستغرق ذمة في نصيبه من نصيب الأسد ..  وطيب جدا لا يعاقب على خطأ.. ولا يستفسر عن غياب .. لو كان غياب المسؤولية .. يحبه جميع العمال .. يتبادل مشاعر الود مع كاتبته الخاصة .. يقيم أطيب العلاقات مع فضيلة المحاسب .. ويبَشُّ في وجوه من تلعنه قلوب المواطنين من المستثمرين الأجانب ..

مكتب معالي الوزير صرح ممرد من قوارير عرش بلقيس .. فسيح، يتسع لخيال ندماء هارون الرشيد.. ومجاري الشيطان في أوردة أثرياء البلد بنوادي لاس بالماس الليلية.. كل متر مربع زائد في مساحة المكتب الوزاري الفخم تم اقتطاعه من حجرة دراسية في الأحياء الفقيرة  أو مركز صحي في المناطق الريفية الموبوءة.. أما ما زاد على المطلوب من ميزانية التسيير وتأثيث مكتب معالي الوزير وتكييفه، فمقتطع من علاوات تشجيع المعلمين والأطباء ومن مخصصات التكفل بالمرضى والمعاقين…

مكتب معالي الوزير له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب… على باب مكتب معالي الوزير لوحة غرور نُسجت بخيوط الوهم.. دوّنت عليها عوادي الأحلام بيتا لشاعر قديم: » ألا يا دار لا يدخلك حزن *  ولا يعذر بصاحبك الزمان« .. ولوحة تحذير تقول » يمنع دخول غير العاملين بالديوان« .. وتحت اللوحتين مذكرة عمل رقم 001،  تحدد اليوم الثامن من الأسبوع موعدا لرفع مظالم الرعية والتفرغ يوما كاملا للخدمة الوطنية…

سطح مكتب معالي الوزير فخم كألواح سفينة فضاء.. على مقدمته آثار قصص بوليسية سوداء.. ونفحات أهواء ألف ليلة وليلة.. وشطحات من ديوان أبي نواس.. ومختارات من أوجاع ابن أبي ربيعة … عن يمين معالي الوزير لائحة بأرقام هواتف الندماء وحزمة من بطاقات عناوين الفجور.. وعن يساره شظايا من مذكرات الحجاج .. ومجموعة أعمال “ماك يافل”.. وكتيب بعنوان  »تعلم التجارة في خمسة أيام«..وعلى الجدار من خلفه صورة من عدسة التزلف تخلد الوفاء للباب العالي.. وتُوهم الزائر بداوم المعيّة والنفوذ…

كرسي معالي الوزير من طراز »لو دام لغيرك.. ما وصل إليك«..مريح كرفرف إيوان كسرى.. له بطائن من استبرق الغفلة..  كرسيه يأكل الكراسي الضعيفة .. ويأكل الكراسي المطلعة على عورات الوزارة .. كرسي معالي الوزير يسجد كل يوم تحت عرش الباب العالي .. ويركع لثلثي أعضاء مجلس الإدارة … ويسبح بحمد رئيس لجنة الصفقات الوزارية.. ويطلق إحدى وعشرين طلقة عند انصراف مفتش الدولة ..

هاتف معالي الوزير له آذان الكترونية تسترق السمع الإداري.. وتختلس النظر الأمني.. وتعرف كيف يبلغ الغائبُ الشاهدَ.. وكلما أرسل معالي الوزير إلى الباب العالي تقريرا معصوب العينين .. في نسخة وحيدة تحمل عبارة “سري للغاية” .. رفعت ملائكة الرحمن النسخة الأصلية إلي من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور..

قصر معالي الوزير لم يخلق مثله في البلاد.. موقع سياحي بديع تحسده شواطئ الباهماس.. ومنتزه هادئ جميل يخجل من بهائه الخورنق والسدير.. على رماله يستلقى الذهبية دخل الفرد.. وترقد في أوسع غرفه السيولة النقدية.. وفي حدائقه الغناء، يأخذ الناتج القومي الخام قسطا من الراحة.. وينال عجز الميزانية حظه من الاستجمام.. وكلما خرج معالي الوزير إلى ذات العماد، تنهار على مرايا الأمل التنموي لبنة من سفق المستقبل…

معالي الوزير كنا نحبه جميعا قبل إقالته..  وكنا نتمنى أن يبقى في منصبه مدى الحياة.. لأن خزائن أطماع معالي الوزير بشِمْن من التحصيل وسئِمْنَ تطفيف الكيل.. ولم تعد تتسع لصيد هزيل.. ولأننا نعلم جميعا.. أنْ لو أُقيل معالي الوزير، لخلف من بعده معالي وزير جديد، نهشت أحشاء حيائه قوارض الجوع.. ومزقت أشلاء ضميره مخالب الفقر.. فيسجد في محراب النهب على سبعة أمعاء.. ويقضي على الأخضر واليابس في حقل الرجاء..

العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم