آراء

من دفتر الطفولة :طفولتنا: حياتنا قبل الحساب…. / المرتضى ولد محمد اشفاق

لا يدرك كثير من الناس أن ذاكرة الطفل لا تموت، ولا يدركون أنه الحاضر المغيَّب في ما يشاهد ويسمع ويرى من أحداث، يسجلها بتفاصيلها الدقيقة…قد يضيع فيها خيط الزمن لكنها لا تختفي…
عندما نقف بهذه الأحداث الصغيرة، المبعثرة في صحن الزمن،والتي لم تعد في حساب الأولويات المادية تعني كثيرا، لكنها كرة جميلة يمتاح بها الإنسان لحظات بريئة لا تولد إلا مرة واحدة،فيها من المتاع، والعبرة، والثورة على هيمنة المارد الزمني في اتجاهه الأوحد الذي لا يَمل ولا يَميل حياة أخرى للعابرين..
أول حدثين سجلتهما في عمق الذاكرة حين وطئت قدماي مدينة ألاك وأنا طفل فوق العاشرة بقليل هما حرقة شديدة في حلقي بسبب حلوى خضراء على شكل الغطاء الخلفي لقلم(بيك)، اشتريتها من تاجر أبلغت بعد ذلك أنه الكابر ولد محمد اطفيل، حاولت مغالبة طعمها الحاد بجذب الهواء من فمي والاستمتاع ببرودته الشديدة، ولم تطفئ تلك النار إلا كريات بيضاء ناعمة تبهج الذائقين، ويشبع قليلها الجائعين، أعز الله مكتشفها الأول امحيميد، لولا خبره المشؤوم الذي رواه عن برنامج صباح الخير في التحذير الصحي من امبورو صوص لمخاطره على الأطفال…
الحدث الثاني يوم رافقت والدتي للسلام على خالها الشيخ عبد الله رحمه الله، وأعدت زوجه حواء بنت الشيخ ابراهيم انياس ضيافة لها، وقررتْ أن أتغدى معهما بدل الغداء مع الرجال لأن الطعام مختلف، استشرت عينيْ أمي فلم تغمز لي بإحداهما كما تفعل حين تريد زجري بهدوء عما لا يليق، فاعتبرت ذلك توقيعا على تأشرة التنفيذ ، وبدا لي أن الصواب تكوين لقمة لا يغيب فيها أي عنصر من مكونات الوجبة، وإذا باللقمة تتحول إلى كرة كبيرة تضيق بها راحة اليد، وكان من عناصرها كائن أحمر فاتح..
انتفخت اللقمة كحامل بتوائم، ولماتحسس لساني طعم الغازية المسلحة، خرجت أعدو لألقيها بعيدا، واستنجدت بالماء فزاد حرارتها اشتعالا، وخرج إلي الشيخ عبد الله مشفقا متألما مما يبدو على الصغير المنكوب، وحاول إسعافي بقطعة سكر، لكن حواء قالت له إن السكر يزيد حرارة (كاني،لحرور)…..
مدرسة ألاك..:
…في رسالة ل(با ممادو)، مدير مدرسة ألاك مؤرخة ب:4 يناير 1913، يقول فيها إنها افتتحت في ديسمبر 1912 وأن عدد التلاميذ فيها اثنا عشر تلميذا فقط منهم تسعة سود وثلاثة بيض وإنه يرجو أن يرتفع العدد نهاية يناير 1913 إلى عشرين…جاء هذا في مجلة:
La lettre Pédagogique
Numéro Double 40/41 Septembre-Octobre 2002
تحت عنوان:
Archives des Ecoles
في رسالة دوكتوراه لمحمد فال ولد الشيخ :
Le français en Mauritanie
……
…سنة 74/75غادرنا CM1 وسيلا إبراهيما وصرامته، معنا في ذلك القسم سيد محمد ولد أغربط، اعراب ولد عمر ولد سيد ،الحسين ولد بيروك،
والشيخ عبد الله ولدإنجيه وغيرهم ، ومن البنات مريم بنت اداع وخدي سي وتوت بنت بحام ولد محمد الأغظف، وغيرهن ..
… معلمنا فيCM2 لمادة الفرنسية لغة، وعلوما وحسابا وغيرها هو السيد اتيام صمبا، قيل لي إنه أصبح رجلا سياسيا ورئيسا لحركة (افلام)…
المعلمون في تلك الحقبة موسوعيو المعارف، متفانون في العمل، مستوى التلميذ المواظب عال، يتقن اللغتين العربية و الفرنسية إعرابا وتصريفا وإملاء ومفردات، وإنشاء..
مادة الإملاء الفرنسي جزء من مسابقة دخول الإعدادية ومُقصية لمن أخطأ فيها خمسة أخطاء…
اتيام صمبا رجل هادئ، وقور،حسن السمت،في حنجرته بحة خفيفة تجعل كلامه قريبا من الهمس،وكان مصرا على استنفاد جهوده من أجل تلاميذه،،،مادته متشعبة ومختلفة العناصر والموضوعات،المعلم في تلك الفترة كان يجمع وظائف أساتذة جميع المواد في الإعدادية اليوم…
أما التجاوز إلى الإعدادية فكان شبه مستحيل من المحاولة الأولى، لكننا بفضل جهود مدير المدرسة ومعلم اللغة العربية السيد إسلم ولد أداع وما بذله اتيام صمبا بحكم حجم مادته ودورها الكبير في النجاح استطعنا تجاوز تلك العقبة في المحاولة الأولى..
كانت المسابقة سدا صلبا وغولا مروعا يخافه التلاميذ، وكانت روح المنافسة عالية بينهم، والغريب أن النسبة الكبيرة من نجاح التلميذ كانت بجهوده الخاصة،لم يكن للآباء دور يذكر في التأطير والتوجيه نظرا لطبيعتهم البدوية، وطغيان الطريقة المحظرية التي تعطي للتلميذ نصيبا من الحرية وتحميله مبكرا مسؤولية التحصيل بالطريقة التلقينية..
لتيام صمبا عصاه وسوطه، لكنهما نافعتان،لا يستغني المعلم الجاد عن قسوة ووسيلة تأديب وتخويف، فجل التلاميذ بداة، غلاظ الطباع لا تحني ظهورهم إلا السياط، ولا توقظ هممهم إلا العصي..
هناك عامل مشجع للتلاميذ في المنافسة وهو أن أسماء الناجحين كانت تذاع من الإذاعة الوطنية،
وحسبنا من النجاح أن نتحلق حولها لنسمع أسماءنا تصلنا من ذلك الصندوق السحري الصغير….
في تلك الفترة يجري التلاميذ مسابقتين في وقت واحد يوجه التلميذ الذي نجح في المسابقة العربية إلى القسم التجريبي العربي في بوكى، والذي نجح في المسابقتين يختار بين الشعبتين، وأذكر أننا نجحنا فيهما واختار وكلاؤنا الشعبة المزدوجة، وبقينا شهرا في انتظار اكتمال تجهيزات إعدادية ألاك التي كنا أول فوج يلج أبوابها…وللحديث عنها مقام آخر بحول الله….
أجريتُ المسابقة في المدرسة رقم 1 في ألاك، في البناية الشمالية، في القاعة الوسطى بإشراف المرحوم الطيب ولد بلال الذي كان يشجعنا ويهدئنا ويحثنا على الأناة والابتعاد عن العجلة ويأمرناباستنفاد الوقت واستغلاله في مراجعة الأوراق قبل تسليمها، رحمه الله لا أنسى ابتسامته وإخلاصه واقتناعه بأهمية ما يشرف عليه، ولا أنسى سرواله الأسود الطويل واكشاطه، كان يلاطفنا في أوقات الراحة قال لي مرة (هذا لكشاط حد خاظ سابك الوقت انبطو بيه)، صدقته، وخفت، وحرصت على المكث في الفصل حتى نهاية الوقت، جزاه الله خيرا،كان نعم المربي…
قيل لي إنه كان مدة إقامته في ألاك مشرفا على المسابقة يقدم دروسا في المسجد، رحمه الله وغفر له..
أدركت من معلمي المدينة: إسلم ولد أداع مدير المدرسة 2 وبنايتها عتيقة من لبن الطين العريض، بعض أقسامها مسقوف بالطين تحته حصائر خشبية محكمة التنظيم والاصطفاف..
الشيخ ولد حيبلت مدير المدرسة 1
إسلم ولد المنجى، محمد ولد محمد المصطفى ولد أحمد الذي نناديه بالأستاذ،محفوظ ولد حامد،اعل ولد ابريهلا،لبات ولد فات، سيدي محمود ولد آي، أحمدو ولد أحمدو، خطار ولد ديده، رمضان صار، إدريس صار، جيكو محمدو مختار،أم المومنين بنت مكي، ومحمد ولد بوب الذي صفع محمد حامد في أحد شوارع الجديدة، كما صفعني أنا بعد ذلك في مساحة عشاء التلاميذ رجل يسميه الأطفال العصا..
المشرف المباشر على الكفالة هو اعل ولد ابريهلا، وكان الصغار من التلاميذ ضحايا غطرسة الكبار يشكون إليه استحواذهم على الخبز، ونصيبهم من فيتامين أ والصابون…
يتوزع التلاميذ وقت الأكل في مجموعات تسجل أسماؤهم ويعين رئيس الفرقة -ومن معايير اختياره سنه وقوته- لإحضار الطعام من المطبخ المكشوف، وهو الساحة التي تقع غرب البناية الشمالية في المدرسة1، الطباختان هما المرحومة اجبابه بنت إميجن وعيش منت بواسحاب، كانت اجباب عجوزا ضامرة وصارمة، وعيش ذات بدانة متوسطة، لكنهما كانتا لطيفتين، استطاعتا الاحتفاظ بالهدوء في أمة من العفاريت الصغار، و الكبار الشرار..
دأب التلاميذ الكبار المنتدبون لإحضار الطعام على إخفاء قطع اللحم بردمها في بطون الوجبات، ويحتالون في وضع الصحن حتى تكون مما يليهم، ويستخرجونها بمهارة لا ينتبه إليها الصغار، وإذا انتبهوا لا يستطيعون الاعتراض،
نتحلق في مجموعاتنا تلك على الفناء المبلط والمسقوف، والمكشوف من بعض الجوانب في البناية الجنوبية من المدرسة رقم 1 وما زال ذلك المكان بحاله تلك إلى اليوم…
ومن المظاهر الغريبة أن بعض حلق الأكل لا تنبس بكلمة حتى تستوفي غداءها بسرعة ويبقى البخار مائجا في الإناء الفارغ….
في المدرسة1حنفية قصيرة جدا ذات حزام إسمنتي داعم من الأسفل، ويوم زرنا المدرسة في وقفة على آثارنا القديمة تحسسنا الحنفية وقال الهادي ولد المنجى إنه كان ليشرب في يده من فم الحنفية لا بد أن يقف على رؤوس أصابعه حتى يصل إليها، والغريب أنها وقت رأيناها كانت في منتهى القصر رغم عوامل التعرية التي يفترض أن تطيلها بحفر جوانبها…
لعل الهادي نزعه عرق إلى كثير عزة الذي كان من شدة قصره لا يبلغ ضرع الناقة، وهو شاعر طبق صيته الآفاق وسحر شعره الأذواق..
وإني وتهيامي بعزة بعدما
تخليت عما بيننا وتخلت
لكالمرتجي ظل الغمامة كلما
تبوأ منها المقيل اضمحلت
كأني وإياها سحابة ممحل
رجاها فلما جاوزته استهلت
ولعله ورث منه حسا شعريا مرهفا، وذوقا رقيقا للصور الأدبية…

لن يمر الحديث دون ذكر اسويدنه وأشباهه،تعود التلاميذ في الراحة وبعض المساءات أن يخرجوا إلى الساحة الواقعة غرب اتويجيله، وهي سهل حجري منبسط يمتد حتى مجاري المياه التي تمر اليوم تحت الجسور غرب مدينة ألاك، تصب الماء في المساحات الزراعية وتحمله إلى بحيرة ألاك ، تلك الساحة كانت مقبرة مندرسة، تقطنها الكلاب المتوحشة، وتظهر فيها بعض العظام والهياكل البشرية المتماسكة، يتخذ منها الأطفال ملعبا للكرة، وتارة يلجؤون إلى بعض الجماجم البشرية ويتخذون منها كرات طائرة، ويمارسون تلك اللعبة وتحافظ الجمجمة على تماسكها رغم سقوطها المتكرر على الأرض الحجرية، ومن أغرب ما كنا نلاحظه هو سد الأسنان المصطف كيف استطاع أن يقاوم الزمن ،،ثم بدا للمختار يوما بعد أن اختلس (سرينك) من مريم انجاي العاملة في المستوصف،(كان الأطباء يغلون الإبر لتكرار استعمالها نظرا لشح الوسائل آنذاك) أن يبدأ وظيفة خطيرة وقذرة، صار يكسر الجمجمة نصفين يبول في النصف ثم يملأ الحقنة من بوله ويستعين ببعض البنات لمسك عجول ذلك الحي وحقنهم في الرقبة…
بعد أيام ظهر ورم كبير في رقاب العجول، وأمرضهم حتى عافوا ضروع أمهاتهم، فحير الأمر الأهالي والبيطريين، وخلص أحد أطباء البيطرة “الماهرين” إلى أن ذلك المرض معروف، وقال إن مهده أصلا بعض البلدان الأجنبية واختلق له اسما على طريقة(حنشوفار)…
كانت المياه في تلك السنوات تحيط بالمدينة من كل جانب،حتى لتبدوَ أحيانا كحبات رمل متناثرة على مرآة بلور صافية…وإذا حان الحصاد ضاقت البيادر بالمحاصيل، وعجزت سواعد الفلاحين عنها، وتخلت عن بعضها كرها للحيوانات، وبدت لك جبال الذرة الصفراء والبيضاء والحمراء تتمدد كأمواج إعصار تزحف لاحتلال المدينة، وكنا نتيه في المنحنيات، تعترضنا متاريس السنابل بالزرع تنحني مثقلة بحملها في تهيب واكتناز، ولفائف اليقطين وربوات الهبيد تغطي أديم الأرض وتشتبك بالأرجل والأقدام…
كان هذا في منتصف السبعينيات…
ثم عقمت الأرض، وبخلت السماء، وخاف النبات من الظهور…
قالت لي إحدى نسوة المدينة (ياوِلِّي ألاك اعْكِرْ،،من يوم خاظ اعليه ذا الخط لكحل كَالْتُو الناس بالعين)..تزعم العجوز أن المساحات الزراعيةعِينَتْ عندما شقها طريق الأمل ،فكان شؤما عليها….
بين الخوبه واتويجيله مساحة عارية، أدركناها خاوية إلا من بناية المدرسة 2 وبداية بناء مستشفى ألاك الذي تحدثت عنه سابقا …
ظلت تلك المساحة مصلى العيدين إلى وقت قريب، قبل أن تصبح فيها اليوم مباني الإدارة الجهوية للأمن ،ومقرات موريتل ،وقصر العدالة الذي ضم حائطه (احويط انصاره)، مقبرة الفرنسيين، ثم انتشرت محلات تجارية محاذية لطريق الأمل…
قال لي الوالد حباب ولد حيبلا رحمه الله إنه كان يحضر وهو طفل منافسات في الرماية يقيمها الفرنسيون تكون الأهداف منصوبة في عبون اتويجيله، والرماة عند سفح الخوبة، قال لي لا أنسى أننا كنا أطفالا نتسابق لجمع (الوروار)، وكان الشيخ عبد الله ولد الشيخ عبد الله رحمه الله يشارك في تلك المنافسات وكان يفوز فيها….
إذا هدأ الليل سكن كل شيء إلا هدير ماكينة البئر التي تسحب في تصميم وإجهاد، الماء إلى الخزان الإسمنتي المستقر على المنكب الشمالي الغربي لحائط المباني الإدارية، مشغل المحرك هو السيد (تيتل) رحمه الله وكان يسكن شمال المكاتب الإدارية قريبا من ملعب كرة السلة….
أحيانا يبقى مصباح يتيم يضيء غرب الولاية وأمام بنايات حكومية سكن جانبا منها القاضي الناجي ولد محمدا، وبعضها القاضي محمد يحيى ولد حامد، وفي دار منها قطن النجار”اندكه ” وهو رجل طويل في شبه امتلاء حسن الأخلاق..وبين تلك المباني الحكومية منزل محمد ولد محمد المصطفى ولد أحمد، ومنازل أهل جاللو وأهل مورسيسى..
مورسيسى يملك سيارة بوفير خضراء عتيقة وكلما اقترب من الأطفال صاح عليهم ابتعدوا آن ما عندي (افرينه)..يقولها بعسر لأنه رغم ألاكيته لم يستقم لسانه بالحسانية ويشبهه في ذلك مواطن آخر له سيارة مشابهة يسمى “بدرو”، وقد رأيت أن رخصة أول قطعة أرضية في ألاك كانت باسمه، وأظن أنها آلت للناجي ولد الشيخ عبد الله وفيها منزله المشهور بقببه مثل قبب قصر العدالة في ألاك، ومسجد ابن عباس في انواكشوط…
لم يعد المنزل لأهله وسُوي بالأرض كمنازل كثيرة منها منزل الشيخ ولد مكي والمنزل الذي كان يسكنه عبدو واد صمب فال،ودار بكار ولد أحمدو، ودار التلميدي ولد سيدي حرمه..كل هذه المنازل رغم رمزيتها تحولت إلى متاجر، هي وغيرها من مشاهير الدور التي لم يبق منها إلا شواهد تصارع الزمن وتقول لنا في توجس وتوجع: نعم كانوا هنا لكنهم رحلوا، سنتحدث عنها بالتفصيل إن شاء الله….
حتى السوق المركزي ذو الرمزية التاريخية (جيره)، خنقته المحلات الصغيرة،بعضها كالذي بُنِيَ بليل من أحياء الصفيح، وبعضهامشوه ليس من اللباقة أن يجلس تحت سقفه الآدميون، وتجاسرت على وقاره وهيبته، فطلعت عليه الفراش في زحام يشي بانعدام أي ذوق عمراني، أحاطت به كخراف عجفاء تتزاحم على ضرع فارغة، حجبت عنه نور مدينته وجيرته من مقرات البريد التي طوقتها الدكاكين وعزلتها ولم يبق لها من متنفس سوى طريق واحد يتسلق هضبة الولاية القديمة…
لن ننسى مربعات(جيره) الصغيرة والبائعات المكافحات في شرف وعزم لتحصيل قوتهن…من أشهر بائعاته المرحومة(افَّيْفَّهْ)،وهي سيدة نبيلة ومحسنة، كنا نختارها من بائعات (كضه) لأنها تعطينا أكثر مما ندفع، أذكر أيضا صاحب الحقيبة البنية، عاملا في الضرائب يسمى محمد ولد صمب متان ،تظهر عليه أمارات الصرامة، وأحيانا ينادينا ويدس في جيوبنا بعض النقود قائلا(اتلاميد هاكو..)…
في الجانب الشرقي محل الهلال الأحمر الذي يشرف عليه المرحوم عبدو ولد صمب فال وهو من رموز المدينة المعروفين بمساعدة الضعفاء دواء ومواساة وإيواء…ختم أيامه بخدمة المسجد العتيق في حي القديمة، وقد كتبت عن الرجل حديثا مستقلا نظرا لعلَميته ومكانته وأخلاقه ونظرا لعلاقات خاصة تجمعني به….
ظل الحائط العجوز للمباني الإدارية صامدارغم هرمه، وكلما انقض بعضه سدوا فتقه من غير جنسه بجسم آخر غريب وخارج على المستوى…أما الواجهات المطلة على طريق الأمل فكانت تستفيد من زينة قبيحة في مناسبات زيارات الرؤساء، و تبقى الجوانب الخلفية على حالها من التصدع وانمحاء الطلاء وتراكم طبقات الوسخ…
أذكر من أحداث المدرسة رقم 2 أن مديرها إسلم ولد أداع جاءته بعثة فيها والي الولاية بحام ولد محمد الأغظف ومفتش التعليم ببه ولد التاه وقائد قطاع الدرك ولد ببكر سير واقترحوا عليه استبدال المعلم أحمدو ولد أحمدو الذي يدرس القسم الرابع CE2 بالمعلم جو الذي يدرس القسم الأول CP1 وبرروا ذلك بأن لأحمدو ولد أحمدو وظائف سياسية في حزب الشعب وأنه أحيانا يتغيب لتلك المهام، وتضرر القسم الأول أخف من تضرر القسم الرابع وسلموه مذكرة موقعة بالأمر…
ولما استدعى المدير إسلم ولد أداع المعلم أحمدو ولد أحمدو وأخبره بالأمر وأقرأه مذكرة الإدارة، قال أحمدو إن في الأمر إهانة شخصية له،فأجابه إسلم إذن اعتبرها لاغية ومزق المذكرة أمامه مضيفا: لن أتخلى عنك أبدا ومصيرنا واحد في هذا الأمر، نعاقب معا أو نحول معا..والغريب أنه لم تنتطح في ذلك الأمر شاتان إلى اليوم…
تميز بحام بحسن الإدارة، ودماثة الأخلاق، والهدوء…
يقول الشيخ ولد مكي في بحام ولد محمد لغظف:
حمدُ يهل ألاك الكًسّامْ
الْطاكُمْ منْ نعمةْ ذالعامْ
حمدُ للكًسّامْ ابَّحّامْ
الْولاَهْ الْكُمْ فالْقسمَ
وَالِى يعرفْ فالحكْمْ اكًْوامْ
الحكْمْ اسْكًمْ فعْلْ أُكَلْمَ
واعْتدالْ اكْبيرْ أُتخْمامْ
اكبيرْ اللَّوْطانْ أُرحْمَ
برّدْ بيهَ منْ حرّْ ايَّامْ
اعوامْ اعْلَ النّاسْ العدْمَ
عادْ ابْرَكْ عامُ منْ لعْوامْ
اعطاكُمْ فيهْ اللهْ النّعْمَ
منْ فضلُ واعطاكُم تمامْ
النّعْمه بالْمَرْعَ وُالْمَ
حمْدُ للنّعمه مُولْ الْمَدْ
حَمْدُ بيهْ النعمه تنْمَ
حمدُ للنعمه كًلّتْ حَمْدْ
النعمه تَكْفيرْ النعمَ
ونتذكر بذكر ببه ولد التاه قول الشيخ ولد مكي فيه:
نشهد وسو بسمٍ مل
عن وخيرت ابب والله
ول التاه اوالله ال
وخيرت بحمدن ول التاه
ثم قال بعد أن لاحظ أنه فات عليه ذكر صفية بنت محمد سالم ولد امخيطرات :
كط اشهدت اعل ولاد التاه
ابوخيرت اشهادَ حيَّ
احلفت افكاف آن ملاه
اعليهَ وابكات اعليَّ
وخيرت ابصفيَّ والله
أل وخيرت ابصفيَّ
حدثني السيد حيبنا ولد حيبلا قال حدثني الأديب محمد ولد بوب رحمه الله أن توتَ زوج محمدن ولد امبيريك وهو يومئذ في قضاء ألاك طلبت منه ملاطفة الشيخ ولد مكي بسؤال عن سبب خلو منزله من سيدة هذه المدة الطويلة، وقالت له:(هذي ملحفه مبرومه اتروحها الليله لطيبه إلين تسول الشيخ ولد مكي أنو اشحاصرو عن إعدل أهل) يقول الراوي وبينما نحن نعقد الصفقة دخل علينا محمدن ولد امبيريك، ولما فهم ما نتحدث فيه قال لي وسأزيدك أنا بحولي مبروم وخمسة آلاف أوقية…
لكن للعقد شرطا هو أن يرد الشيخ ولد مكي على محمد ولد بوب، ومن المعلوم أن الشيخ رجل مهيب ووقور، وأكبر من محمد ولد بوب، ولكن بينهما رحم الأدب، والأدب رابطة قوية يتعالى أهله صناعةً وقراءةً وذوقا على التفاصيل الصغيرة، وتذوب أمام رقته وعذوبته حواجز الوهم التي يزرعها المصابون ببلادة الحس وتحجر الأذواق…
قال محمد ولد بوب إذن للشيخ ولد مكي مستجيبا لرغبة ذلك البيت الإكيدي الأدبي الكريم الذي لم يكن طلبه فضولا بلا طعم، وإنما صلة أيضا لرحم إيكيدية قديمة مع الشيخ ولد مكي، وبفضل منزلتهم الأدبية ومكانة الأدب والأديب في تلك المنطقة المحترمة، رأوا من الوارد إلقاء حجر يحرك ركود ماء ذلك البحر الساكن حتى يثور ويلقى ببعض درره إلى الشواطئ والمصطافين:
قال محمد إذن للشيخ:. ولد مكي:
بعض من الرجل ما نسميه
فات المول وساه اعلاه
خالك ش تختير اواسيه
الناس ألا وساه اعلاه
يقال إن الشيخ ولد مكي ماطل في الجواب لارتباط العطاء بالشرط، وطبعا زيادةً في الإمتاع ولذة الترقب، قد يكون أيضا عقابا وديا ل(ادصارت) محمد ولد بوب عليه..
ثم أجاب الشيخ ولد مكي :
كوني ما وسيت المطلوب
من ش عندك فيه اسمع لاهْ
انواس فيه ألا مركوب
الدهر الِّي بَرَّكْ نعلاهْ
يتواصل إن شاء الله..

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى