آراءموضوعات رئيسية

خواطر: ليس التناحر و التدابر والتشاجر قدرا محتومًا / محمد فال بلال

 

لا شك في أن مجتمعنا عاش عبر التاريخ تراتبية طبقية مقيتة على غرار مجتمعات الدنيا. ولا شك في أن تلك التراتبية لا زالت آثارها بادية للعيان وماثلة في الأذهان.

هناك شرائح وفئات عربية وغير عربية أصيلة و ذات ثقل كبير عاشت معظم حياتها مهمشة ومعزولة عن المجرى الرئيسي للثقافة والتنمية، ما جعلها تشعر بالاضطهاد والحرمان و تحس بالغبن. وقد توافرت لديها اليوم كلّ المعطيات و الظروف الموضوعية (داخليا و خارجيا) لترتفع أصواتها مطالبة بالمساواة والاحترام وردّ الاعتبار تعبيرا عن تظلمات واحتقانات اعْتمَلت في أعماق صفوفها، وتبلورت في عقول المثقفين من أبنائها وفي عقول الخيّرين من أبناء الوطن كافة… وينبغي لنا التفاعل بوعي مع هذا الواقع وما يفرزه من مشاعر ومواقف وأحداث تتجدد بتجدده بنفسه وأهله، إذا كنا نريد فعلا احتواء إشكالاته واستيعاب تحدياته وإفراغ حمولاته التدميرية.

وفي هذا المضمار أذكر بما كتبته في هذه الصفحة عام 2013، من قبيل:1- الاعتراف بالمظالم الذهنية والتنموية والخدمية التي وقعت بالفعل على حساب فئات وشرائح معروفة، و مواصلة الجهود عبر مبادرات مبتكرة وسياسات “تفضيلية” لتوفير الخدمات الأساسية وانتشالها من الفقر والهشاشة والإقصاء والازدراء . أقول مواصلة العمل لأن العمل قد بدأ على نحو متواضع حتى الآن و دون المستوى المرجو، و لكنه بدأ.

2- الاعتراف بوجود استعلاء ثقافي وعرقي شكّل عنوانا سيئا في مفردات الخطاب و السلوك الاجتماعي طيلة قرون، مع أنّهُ لا يستندُ إلى شيء. لا يستندُ إلى عقل، و لا يستندُ إلى دِين، و لا دُنيا. و اليوم، فإن المصلحة العامة تدعو إلى التكفير عن ذلك الاستعلاء والاقلاع عنهُ فوْرا، كما تدعو إلى أنْ يتحرّر أبناء الشرائح المظلومة من ذلك الإحساس الزائد بالاضطهاد والإقصاء الذي سكنهم مدة عقود، ليحلّ محلّه إحساس أكثر إيجابية بالمشاركة والمسؤولية

.3- الاعتراف بأن الشرائح المهمشة بالأمس باتت اليوم تشكل قوة وطنية كبرى وطرفا حاضرا في أعلى مستويات الدولة…قوة تحظى برئاسة مؤسسات دستورية مهمة، و حاضرة في البلديات و البرلمان، و تقود وزارات ونقابات واتحادات وهيئات مدنية مؤثرة…و على هذا الأساس يجبُ على قادة الرأي و الوجهاء و النشطاء من كلّ الشرائح و الفئات ، التّرفع إلى مستوى المسؤولية عن الوطن ككل و العمل على بناء الثقة و المصالحة و الوحدة

.4- وفي هذا السياق، ينبغي تشجيع علاقات الإخاء و التوادُد و التراحُم والتعاون التي آلت إليها فى الغالب تطورات المجتمع القديم. أستطيع القول بأن العلاقات القديمة شهدت في معظم المناطق تحولات سلسة ويسيرة حلت بموجبها الأخوة والمساواة والتعاون محل العلاقة التراتبية .. وبناء على ذلك، فإني أدعو النخبة الموريتانية بما فيها من قوى حية وأحزاب ومنظمات مدنية وحقوقية وشخصيات إلى دعم المجتمع في إعادة بناء نفسه على أسس جديدة تتماشى وواقع الحداثة والدولة العصرية. إن المجتمع بمرونته وقدرته الفائقة على التكيف بدأ فعلاً – منذ أن ضربه الجفاف أواخر سبعينات القرن الماضي – ينتظم على أساس علاقات ناعمة جديدة يمتزج فيها التعاطف بالتعاون والتراحم و التلاطف.

وقد تعزز هذا الاتجاه وازداد سرعة وقوة في مواجهة عواصف التمدُّن والعولمة وثورات الاتصال. التناحر و التدابر و التشاجر وما إلى ذلك .. ليس قدرا محتومًا.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى