آراء

أكبر “المآسي” في النظام الحالي/ محمد السيد

يعرف المتابعون لصفحتي بأني لست ميالاً إلى النقد اللاذع للنظام الحالي أو غيره من الأنظمة السابقة، وأني لا أمارس النقد إلا بقدر ما تستدعيه ضرورة وواجب النصح والإرشاد والتنبيه إلى مكامن الخلل الملحّ تلافيها. بيد أن انخفاض مؤشر النقد عندي لا يشكل مقاسا لمنسوب استيائي مما يستاء منه المواطنون عامة. لكنها طريقتي الخاصة، وأسلوبي في الأخذ بالرفق في كل الأشياء؛
وفي هذا السياق تأتي ملاحظاتي الآتية:
– اضطربت اليوم في رأسي كثير من المشاكل التي يعاني منها شعب طيّب وثري (بخيرات أرضه)، هو الشعب الموريتاني؛ طيّبٌ؛ فلا يستحق الإهانة، وثريٌّ؛ فلا يستحق البؤس.
مشاكل يعاني منها هذا الشعب المسكين بشكل يومي، دون أن تلوح في الأفق بوادر انفراجها إلا على طريقة “ما ينتظره الموحدون”. بل إنها، على العكس من ذلك، آخذة في التفاقم يوما بعد يوم، مع الازدياد في الكمّ وفي الكيف. ثم تساءلتُ: أيّ هذه المشاكل أخطر وأشد وقعاً على المواطن؟ فتبادر إلى ذهني بأني لو طرحت هذا السؤال في استفتاء عام لاختلفت الإجابات:
– سيقول البعض بأنها: انهيارُ عصب الحياة: النظامين التعليمي والصحي، بشكل آخذ في التفاقم مع كرّ الجديدين، بالرغم من اعتراف الدولة رسميا بهذه الحقيقة بعد أن فشلت كل المساحيق التجميلية في حجبها، وإعلان الاستسلام الكامل بلسان حال النكوص عن تحريك أيّ ساكن لمواجهتها؛
– وسيقول البعض بأنها: تربُّح الدولة (بشكل يثير الاشمئزاز) على ظهر المواطنين البسطاء بمضاعفة أسعار البنزين الذي ترتبط بأسعاره أثمان جميع مقومات حياة المواطن البسيط؛
– وسينزع آخرون إلى مأساة مبيت الرجال والنساء والولدان تحت رحمة زمهرير البرد ومقيلهم تحت لهيب الشمس الليالي والأيام ذوات العدد، لمجرد الحصول (أو شراء على الأصح) نسخة من بطاقة ميلاده، وأشباهها من ضروريات أوراق الحالة المدنية ؛
– ولن تعدم مأساة صندوق النظام الصحي أنصارا في مربعات الاستبيان؛ فسيتذكرون أن مناسبة 28 نوفمبر كانت مناسبة لبثّ الراحة والطمأنينة إلى نفوس الشعب. وكانت فرصة مزايدة لحكام البلاد على بعث السعادة في نفوس المواطنين بإعلان زيادات في الأجور وتخفيضِ في الأسعار، وشبه ذلك. ولم يكن متوقعا بحال من الأحوال أن تحمل هذه الذكرى في عام 2016 “بشرى” استقالة الدولة من تعويض التكاليف الصحية للمواطنين مع الإصرار على مواصلة اقتطاعها من رواتب الموظفين شهريا رغم أنوفهم. على أن تتم صياغة القرار في صورة المثل العربي “عذر شر من جرم”: “فالصندوق الوطني للضمان الصحي لم يعد يتحمل غير تكاليف العلاج في المستشفيات العمومية”؛ وأين المستشفيات العمومية؟ وكيف العلاج فيها؟
والجواب على السؤالين مما يستوي في معرفته العام والخاص!
– سيقول هؤلاء وألئك ما شاءوا، لكنهم لن يعدموا نديّ الصوت رافعاً عقيرته بالقول:
تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خداش ما يصيد
– أما أنا، فلا أوافق أيّاً منهم في اختياره، وإنما أشعر شعورا لافحا بأن أخطر مخاطر النظام الحالي هي: “عدم اهتمامه بما يقول الناس”. وهذا في الواقع هو سرّ “حرية التعبير” الواقعة اليوم؛ فقد قرر النظام، عن وعيٍ وإصرار، أن يترك الشعب “يقول ما يشاء” على أن “يفعل النظام ما يشاء” دون إعارة أيّ اهتمام لذلك. وليست مأساة طلابنا اليوم في تونس والجزائر ببعيدة.
– إن أهم ميزة يمكن أن يتمتع بها مسؤول هي: الاهتمام بشعور مواطينه، والعكس بالعكس. فإذا انعدمت هذه الميزة فلا صلاح لأي أمر في دولة ذلك واقعها

محمد السيد (من صفحته على الفيسبوك)

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى