آراء

عبدولاي يريل صو يكتب عن “المستعربين” الزنوج .. الاتّهام والإقصاء

أن تكون ذا ثقافة عربيّة في موريتانيا، يعني أنّك لا تفهم شيئا في نظر أغلب المتفرنسين، وخاصّة إذا كنت تنتمي إلى إحدى المجموعات غير البيضانيّة (العربيّة)، ستكون معرّضا للاتّهام أكثر، لأنّك ستُتّهم بموالاة القوميّين العرب، ومشروع تعريب إدارات الدّولة، ومحو الهويّات الثّقافيّة للمكوّنات الأخرى -حسب اعتقاد البعض-  إضافة إلى الاتّهام بمحدوديّة الثّقافة وعدم مساندتك بقضيّة بني جلدتك.

كثير من ذوي الثّقافة الفرنسيّة ينظرون إلى زملائهم من ذوي الثّقافة العربيّة نظرة استعلائيّة، باعتقادهم أنّهم أوسع ثقافة وأكثر تحضّرا و وطنيّة منهم، هذه النّظرة الاستعلائيّة لا تنحصر في الوسط الأكاديميّ فحسب؛ بل تكاد تكون هي السّائدة في الأوساط الإداريّة والإعلاميّة والسّياسيّة أيضا. إذ يرى السّواد الأعظم منهم أنّ السّياسيّين والإداريّين المستعربين ساهموا بشكل أو بآخر في تضعيف دور المجموعات ((الزنجيّة)) في الدّولة، لانحيازهم إلى الثّقافة العربيّة وتعريب الإدارة على حدّ سواء، باعتبار ذلك يصبّ في مصلحتهم بلا شكّ. فيما يتعلّق بهذه النّقطة؛ باعتقادي في الحالات الطّبيعيّة من المنطقي والمعقول أن ينحاز الإنسان إلى اللّغة التي تعلّم وتكوّن بها، وإن كانت تلك اللّغة لغة أجنبيّة، و من باب أولى إذا كانت تلك لغة الدّولة الرّسميّة، حسب وجهة نظري؛ لا يتعلّق الأمر هنا بالمصلحة الشّخصيّة أو بموالاة جهة ما أو تأييد مشروع معيّن أو غير ذلك، وإن كانت اللّغة وسيلة  فقط، وليست غاية في حدّ ذاتها على الأقلّ من النّاحية التثقيفيّة والتكوينيّة، لأنّ أيّ لغة في العالم إذا أتيحت لها الفرصة، من إمكانها القيام بذلك كما ينبغي. أمّا فيما يتعلّق بتهمة محدوديّة الثّقافة، أو عدم مساندة الحقوق الخاصّة للسّود في موريتانيا، فإنّ الواقع يفنّد ذلك تماما، ولا سيّما في الحقوق الثّقافية والسّياسيّة، فالمستعربون دائما يطالبون بتمكين اللّغات الوطنيّة واعتماد الترجمة بينها و بين اللّغة الرّسميّة للدّولة في شتّى المجالات، في التّعليم والسّياسة والإعلام والقضاء وغيرها لتعمّ الفائدة. لعلّ الفرق الجوهري بينهم وبين المتفرنسين في هذه القضيّة؛ يكمن في أنّهم (المستعربين) لم يطالبوا باستبدال اللّغة الوطنيّة باللّغة الأجنبيّة. وبخصوص محدوديّة الثّقافة؛ فأغلب ظنّي أنّ الإخوة المتفرنسين هم أقلّ ثقافة –رغم غزارة علم بعضهم- بسبب ثقتهم الزّائدة بكلّ ما هو فرنسي إلى درجة التّقديس أحيانا لدى بعض الفئات منهم، حتّى وصل بهم الأمر إلى التّشكيك في أيّ معلومة علميّة أو إعلاميّة إذا لم يجدوها في مصدر فرنسي (أقصد مكتوب بالفرنسيّة)، وهذا في حدّ ذاته محدوديّة ثقافيّة إن لم يكن انعداميّة ثقافيّة أصلا إن صحّ التعبير!..
في مقابل هذا؛ كان من المفترض أن تحتضن الدّولة الموريتانيّة السّاعية إلى إثبات وتكريث الهويّة العربيّة، بغضّ النّظر عن التّنوّع غير الخافي فيها، كلَّ من هو ذا ثقافة عربيّة وتحتويَه لإثبات أنّ التّعريب مشروع وطني ثقافي تنموي، الغرض منه توطين العلم واختصار المسافة، و تقريب الإدارة إلى المواطن، وتسهيل الأمور له باستخدام لغة رسميّة وطنيّة في نفس الوقت. وليس الغرض منه تهميش وإقصاء الآخر، فهو مشروع يهدف إلى تمكين كلّ مواطن دون الالتفات إلى عرقه، لونه، نوعه، أصله أو لغته الأمّ التي يتحدّث بها. ولكن للأسف الشّديد لم يحدث ذلك. كلّ من ألقى نظرة فاحصة موضوعيّة على الإدارة بشكل عامّ؛ يسهل عليه ملاحظة الإقصاء شبه المُمنهج لذوي الثّقافة العربيّة من السّود، على سبيل المثال في الإعلام الرّسمي: الإذاعة الموريتانيّة، التلفزة الموريتانيّة، الوكالة الموريتانيّة للأنباء وغيرها من وسائل الإعلام المملوكة للدّولة، نادرا جدّا أن تجد مذيعا أو موظّفا مستعربا من المكوّنات الموريتانيّة غير العربيّة، إلاّ إذا كان يعمل لصالح اللّغات الوطنيّة الأخرى. وينطبق الأمر على التعليم بكلّ مستوياته، وحتّى التّعليم الحرّ لم يسلم من ذلك أيضا، كأنّ هناك اتّفاقا مكتوبا أو أوامر عُليا بهذا الخصوص، يحظر على كلّ مَن ليس عربيّا الاشتغال باللّغة العربيّة، وإن كان تكوينه بتلك اللّغة، ومهما وصلت مستواه فيها. هذا الغياب أو بالأحرى التغييب شبه الكامل؛ جعل الفكرة التي تروّج أنّ التّعريب هدفه إقصاء المكوّنات غير العربيّة من مراكز صنع القرار، ومنابر صناعة رأي العام وتنويره في الدّولة تترسّخ أكثر، ليس في أذهان المتفرنسين فحسب، وإنّما في أذهان المستعربين أيضا. بمجرّد تقديم الطّلب بهذا الخصوص، إذا لم يُرفض من البداية؛ سيُواجه بعراقل وتعقيدات واختبارات أقلّ ما توصف بها أنّها محبطة للعزيمة، ومحطّمة للمعنويّات، حتّى يكاد الشّخص يفقد الثّقة في نفسه، ويتحسّر على عمره الذي قضاه في تعلّم هذه اللّغة التي أصبحت عائقا أمامه في وطنه.
مطرقة الاتّهامات هذه، وسندان الإقصاء هذا، أدّيا بكثير من المستعربين إلى ضمّ أصواتهم إلى أصوات بني جلدتهم المتفرنسين التي تدعو إلى التّمسّك بالثّنائيّة اللّغويّة (العربيّة والفرنسيّة)، ما دامت اللّغات الوطنيّة الأخرى (البولاريّة، السّوننكيّة والولفيّة) لم تتبوّأ مكانتها التي لا يُراد لها أن تتبوّأها أصلا. ويتجلّى الضّمّ المذكور في حرص المستعربين على تعليم أولادهم اللّغات غير اللّغة التي تعلّموها هم، خوفا عليهم مِن أن يلاقوا نفس المصير الذي لاقوه…

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى