آراء

يوميات صائم: الصيام والصوم/ محمد رياض العشيري

 كيف لنا أن نهنئ الناس بحلول شهر رمضان، شهر الخير والرحمة، شهر الصيام عن الشهوات والملذات، وقلوبنا دامية وعيوننا دامعة لهذا الهجوم الذي قتل الأمل في قلوب الساعين إلى ربهم في محافظة المنيا.
غدا سنبدأ رحلة روحية عظيمة، يحصرها بعض المسلمين في الامتناع عن الطعام والشراب والجنس، بعض الوقت، لتنتفخ بطونهم بعد غروب الشمس بأكثر مما اعتادوا عليه في شهور العام الأخرى، فلا يستطيعون تنفسا إلا بصعوبة. وما أظن أبدا أن هذا هو هدف “الصيام”. فمع الامتناع عن الشهوات وحجب تلبية الغرائز وعدم إشباعها، من المفترض أن تصفو النفس وتسمو الروح وترق الأخلاق ويحسن التعامل بين الناس. غير أن ما نراه في نهار شهر “الصيام” شيء مختلف تماما: أناسا يركبهم شيطان الغضب، ويغلبهم الكسل، ولا يطيق بعضهم بعضا.
“الصيام” ليس شعيرة هينة، بل شاقة، لكنها في طاقة البشر. فعندما ذكرت الشعيرة في القرآن الكريم سُبقت بلفظ (كُتب). وما يستخدم القرآن معه هذا الفعل “كُتب” فيه مشقة على فاعله، بل ربما لا يحب فعله من تلقاء نفسه. فالقتال، والقصاص، وتقسيم التركة عند اقتراب الموت والصيام، كلها أمور تشق على نفوسنا.
لكن تلك المشقة تهون في نفس المؤمن، فيحتمل المصاعب لأنه يفعل ذلك طاعة لله تعالى، ولأنه أيضا سيجازى عنه جزاء كبيرا.
بيد أن المشقة التي نواجهها هذا العام مشقتان: مشقة “الصيام”، ومشقة الألم لما ألم بنا في المنيا.
لكننا ينبغي أن نواجه مشقة “الصيام”، بـ”الصوم”: فلا نتكلم حفاظا على “صيامنا”. وهكذا كانت نصيحة المولى تعالى للسيدة مريم العذراء بعد أن حملت بالسيد المسيح عليه السلام. فقال تعالى “… فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما، فلن أكلم اليوم إنسيا” (مريم:٢٦)
وما أجدرنا اليوم أن نتمسك بتلك النصيحة، ونلتزم “الصوم”، فلا نخوض في عقائد أحد. فأمر العقيدة واختلاف بني البشر فيها، لا ينبغي له أن يتحول إلى خلاف بينهم. بل يجب تركها لله تعالى، الذي سيحكم بين الناس فيما يختلفون فيه يوم القيامة.
وما أجدرنا أن نتمسك بهذه النصيحة ونلتزم “الصوم” فلا نخوض في أعراض الآخرين. ونلتزم “الصوم”، فيقل كلامنا، لنحد من عراكنا، ليسود المجتمع وئام تدعو إليه الشرائع جميعا.
ورمضان كريم

الجمعة ٣٠ شعبان ١٤٣٨
٢٦ مايو ٢٠١٧
العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى