آراءمواضيع

إطلالة من بعيد على واقع موريتاني غير واضح المعالم

لست ممن يرغبون في الكتابة لمجرد الكتابة في الشأن السياسي الموريتاني لأنني أجد في ذلك الكثير من الاستعراض والمبالغة ولكنني من حين لآخر أرغب في التعبير عن بعض الهواجس فيما يشبه البوح أو نقل المشاعر الداخلية لعلني بذلك أخفف عن نفسي بعض مايعتريها من هواجس -وهي في غربة اختيارية فرضتها الظروف الاقتصادية التي تعيشها البلاد – وإذا كنت في مثل هذه الإطلالات أو الهمسات أبتعد عن التناول الحاد للقضايا المحلية على غرار مايفعله الكثير من زملاء المهنة فإن ذلك لايعود إلى عدم متابعة للقضايا التي تستحق التناول بمثل هذه الحدة ، ولكن السبب الأهم هو أنني في غربة بعيدة ولا أرغب لنفسي أن أرى الكفة الفارغة فقط مما يدور في ربوع الوطن وفي نفس الوقت لا أرغب لنفسي أن أشيد ببعض المنجزات التي يتم القيام من حين لآخر كجزء طبيعي من عمل الحكومات المتعاقبة على حكم البلاد لأن ذلك أمر لايستحق عليه من قاموا به الشكر فهو واجبهم ، ولاشكر على واجب ، غير أن ظهور هذا الموقع الجديد ومعرفتي بما يتمتع به القائم عليه من ملكات صحفية وقدرات خلاقة في مجال العمل الصحفي جعلتني أقرر الكتابة في هذا الموقع عن شأنٍ موريتاني لا أجد من أخباره اليوم إلا ماتتناقله وسائل إعلام لاتعبر عن مشرب واحد ولا تتناول الشأن العام بنفس القدر من الموضوعية وهو أمر ينبغي لإعلامنا الناشئ أن يوليه أهمية كبرى حتى يحافظ على الحريات المتحققة التي يعرف الجيل الذي مارس العمل الصحفي قبلنا – ومنه الصحفي المخضرم الشيخ بكاي- أنها ثمينة إذا ماقيست بالفترات السابقة ، -وهو أمر لمسته من خلال إعدادي لأطروحة ماجستير عن الإعلام الموريتاني ودوره في التعبئة السياسية – حيث عجزت عن إيجاد دور لهذا الإعلام في تلك التعبئة بفعل سياسات الإغلاق والمصادرة ! ولايعني ذلك أن نتغنى بأمجاد الحاكم ونسبح بحمده كما يقوم به بعض إعلاميينا الرسميين فذلك أمر يناقض الطبيعة البشرية السوية ويؤدي في النهاية إلى تنمية روح الدكتاتورية لدى الحكام وفق نظرية ” التكرار ” المعروفة في الأنظمة الشمولية !

بل المهم هو أن يكون التناول الإعلامي للأخبار مقدسا فلا يمكن أن أسمح لنفسي وأنا صحفي أتناول شأن بلادي أن أحدد فصائل الجيش وأعدادها وتشكيلتها على نقاط الحدود – وهو خبر قرأته في أحد المواقع الموريتانية مؤخرا ! – فتلك حرية تعبير أقرب إلى العبثية منها إلى الموضوعية المطلوبة ، وهناك أمثلة كثيرة لا أريد التعرض لها حتى لايتحول المقال إلى محاكمة للإعلام الموريتاني وهو إعلام أحترمه وأجل من يقومون عليه وتربطني بالكثير منهم علاقات زمالة واحترام .

ولكي أعود إلى السبب الحقيقي الذي جعلني أكتب عن المشهد الموريتاني الذي أتابعه من بعيد فإنني أوجزه في جملة أمور :

أولها أن الخطوات التي اتخذها النظام الحالي غير مسبوقة لجهد الاستقلالية في بعض القرارات كالعلاقات المتنامية مع طهران ، وتجميدها مع إسرائيل! ، و إعلان السيادة على الأجواء الموريتانية وهي خطوة لم يقف عندها الكثيرون ، وتحديد نقاط حدودية برية ، وإدارة حوار مثير للجدل مع السلفيين في الوقت الذي يتم فيه استخدام الضط الدبلوماسي على دولة جارة لأنها خرجت على الأصول المرعية في التعامل مع ( الإرهابيين ) وهي خطوات برأيي تؤكد الجانب المتقدم الذي وصلت إليه الدبلوماسية الموريتانية ، وفي ملفات الفساد تفتح حرب على الظاهرة ويطاح برؤوس كبيرة ومقربة من النظام ويسجن رجال أعمال …! وغيرها من الملفات المعروفة ، ولكن في الكفة الأخرى نجد أمورا لا يمكن وضعها في نفس الخانة فهناك حبس تحكمي ضد صحفي أثبت الجميع عدم مشروعيه إبقائه في السجن أحرى إعادة محاكمته وسجنه من جديد !، وهناك تخبط في إدارة الأزمة الاقتصادية التي تشهدها البلاد فالأسعار تسير بشكل مطرد نحو الارتفاع والموظفون يضجون من ضعف البدلات المقررة ، وبعضهم وجد نفسه بدون راتب لشهر كامل دون جريرة ، كما أن هناك اتجاه نحو واقع بوليسي غير معلن أسلحته القضاة والنيابة المتعطشون لإصدار أحكام جزافية وتنفيذها حرفيا والزيادة عليها أحيانا ! ، هذا الواقع يناقض مايروج له الإعلام الرسمي من جهود تخوضها الحكومة ضد الفقر والمرض وقيامها بخطوات معتبرة في مجال البنية التحية ، ولعل السؤال الذي يطرح نفسه ونحن نتابع هذين الخطين المتوازيين في كلتا الكفتين هو، هل الإعلام الرسمي يضخم الإنجازات ؟ أم أن الإعلام الحر يرفض التعامل مع الواقع ويضخم المساوئ ، وحتى لو كان الجواب لصالح النظام الحاكم فإن هناك ثغرة لم يستطع أن يسدها وهي التعريف بشكل أفضل بماقدمه للبلاد حتى لاتظل الصورة مشوشة ، كما أن حقيقة رفض النظام التعاطي مع المعارضة والإبقاء على الأبواب مواربة كفيل بترك الساحة مفتوحة لهذه التجاذبات التي تضيع فيها جهود كثيرة كانت الاستفادة منها ستكون أكبر لو تم التعاطي معها بشكل مختلف .

*صحفي موريتاني مقيم بقطر

mohanbak@hotmail.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى