آراءمواضيع

… وإلى الرسالة السابعة

سيدي الرئيس، لنستمع معا في بداية هذه الرسالة المفتوحة إلى أنين مهندس زراعي عاطل عن العمل : ” أنا مهندس زراعي حاصل على شهادة مهندس منذ ثلاث سنوات، ولي ثلاث أخوة كل واحد منهم يحمل شهادة جامعية. نحن الأربعة لم نجد عملا مما جعلني أضطر لأن أهاجر إلى “غامبيا” لمزاولة أعمال لا أحب الحديث عنها. لم أكن أحب أن أهاجر لأني لا أحب الغربة عن الوطن. سنوات الدراسة التي هي أحلى سنوات العمر لم تكن بالنسبة لي كذلك، لأني كنت مرغما فيها على السفر طلبا للعلم. لقد أنفق والدي كل ما يملك – وهو قليل أصلا- من أجل أن أحصل أنا وإخوتي على شهادات جامعية. واليوم لم تعد أسرتنا تملك شيئا سوى أربعة من العاطلين عن العمل، لهم شهادات عالية، تحول بينهم وبين مزاولة الأعمال اليدوية. لقد اضطررت للخروج من هذا البلد – حتى لا أقول طردت- وذلك بعد أن أصبحت غير قادر على البقاء في أسرة فيها شيخ كبير، أصيب بمرض مزمن لا يجد من بين أولاده الأربعة من يستطيع أن يوفر له ثمن الدواء. لقد تركت البلد مرغما لأني أنا الأكبر، ولأنه كان لابد لهذا الشيخ الكبير من الدواء……

سيدي الرئيس، أنا لا اطلب منكم سوى أن تجمعوا بيني وبين أبي الشيخ الكبير، ولا سبيل إلى ذلك سوى بتوفير وظيفة واحدة لي أو لواحد من إخوتي الثلاثة.
فهل سأعود إلى أبي الشيخ، أم أنه سيرحل عن هذه الدنيا دون أن أراه؟” كان هذا مقطع من رسالتي السابعة من سلسلة الرسائل الثلاثين التي كتبتها للرئيس السابق، وهو مقطع وجدت أنه من المناسب أن أبدأ به رسالتي السادسة إليكم.

رحل الشيخ عن الدنيا، ورحل آباء آخرون، ولم يعد المهندس إلى الوطن، وهاجر حملة شهادات آخرون، هاجروا من بلد نصيب الفرد فيه من الثروة الطبيعية يفوق بكثير نصيب الفرد في تلك الدول المهاجر إليها. مات الشيخ، ولم يعد الابن، ولم تكتمل القصة التي لابد أن تفتح من جديد، على صعيد آخر، في عالم آخر، وفي يوم عصيب، ستدنو فيه الشمس من الرؤوس. لن تكون هناك مكيفات، وسيلجم العرق كثيرا من الخلق، وسيتمنى أهل النار أن يلقى بهم في النار نظرا لهول ذلك اليوم.أجارنا الله وإياكم من النار وأظلنا تحت عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

كثيرة هي قصص المعاناة التي ستفتح في ذلك اليوم العصيب، وكثير هم الموريتانيون الذين سيطالبون بحقوقهم كاملة غير منقوصة، لن تكون هناك أغلبية تطبل لكم، يا سيادة الرئيس، كما طبلت لمن قبلكم، وكما ستطبل لمن يأتي من بعدكم. ولن تكون الصحافة الرسمية قادرة ـ في ذلك اليوم ـ على تزييف الحقائق، كما زيفتها لمن سبقكم، وكما ستزيفها لمن سيأتي بعدكم. لن يكون هناك حرس، وسيكون التسديد بالحسنات، وسيأخذ كل ذي حق حقه.

ومن بين من ستقابلهم في ذلك اليوم العصيب ـ يا سيادة الرئيس ـ عشرات الآلاف من حملة الشهادات العاطلين العمل الذين عانوا كثيرا، وظُلِموا كثيرا، وتجاهل همومهم الجميع. وستكون لكل واحد منهم قصة لم تكتمل.
وبعيدا عن تزييف الإعلام الرسمي، وبوصفي واحدا من أصحاب “الخبرة” الطويلة في البطالة، فقد وجدت من اللازم أن أحدثكم بصراحة وبصدق عن معاناة و مآسي العاطلين عن العمل، مع تقديم بعض الاقتراحات التي أعتقد أنها قد تكون ضرورية للتخفيف من تلك المعاناة.

في البداية أشكركم على تمديد سن الاكتتاب الذي كان مطلبا ملحا للعاطلين عن العمل، كما أشكركم على اكتتاب المئات من حملة الشهادات. تلك هي الأشياء الإيجابية التي تحققت في عهدكم لصالح العاطلين عن العمل. ولكن في المقابل حدث تراجع كبير لدور وكالة تشغيل الشباب التي أصبحت غائبة تماما منذ السادس من أغسطس، ولم يسجل لها أي عمل ميداني، خاصة في مجال تمويل المشاريع.

ومن المفارقات التي يمكن تسجيلها هنا أن هذه الوكالة قد استطاعت أن تقدم تمويلات هامة للكثير من العاطلين عن العمل، وبمبالغ معتبرة، وبطرق شفافة، قبل الثالث من أغسطس من عام 2005. وقد كان المعيار وقتها الذي يتم عليه الاختيار هو أقدمية التخرج. كما أن ذلك العهد شهد عمليات اكتتاب واسعة لحملة الشهادات، في محو الأمية ودور الكتاب وفي السياحة وفي المخابز وفي أنشطة خاصة أخرى. ولقد وفرت تلك الفرص متوسط دخل يقدر ب 30.000 أوقية للشهر، استفاد منه المئات إن لم أقل الآلاف من حملة الشهادات. أما بعد الثالث من أغسطس فقد تراجع كثيرا حجم التمويلات، وتراجعت الشفافية في اختيار المشاريع، كما تراجع عدد المكتتبين من حملة الشهادات وتم فصل المئات منهم.
بعد السادس من أغسطس غابت الوكالة تماما، ولم تعد تقوم بأي نشاط ميداني للحد من معاناة العاطلين عن العمل، ولتلافي ذلك النقص الكبير فإنني أقترح ما يلي:
1 ـ بما أن خزينة الدولة كانت توفر ما يزيد على خمسة آلاف راتب لموظفين أشباح، أغلبهم لا يحتاج لتلك الرواتب، فإني أقترح أن تُحول تلك المبالغ إلى إعانات اجتماعية لصالح أصحاب الشهادات العاطلين عن العمل، بحيث يقسم كل راتب إلى إعانتين، أو ثلاث،على المتخرجين الذين لم يحصلوا على وظيفة وذلك للتخفيف من معاناتهم كما يحدث في بعض البلدان.
2 ـ بما أن الحكومة قد قررت تأسيس شركة للنقل العمومي، وبما أن جمهورية إيران الإسلامية قد وعدت ب500 سيارة و250 حافلة، فإني أقترح بأن تخصص تلك السيارات لحملة الشهادات العاطلين عن العمل، بمعدل سيارة لكل حامل شهادة، وحافلة لكل عشرة عاطلين، وهو ما سيسمح بدمج 3000 حامل شهادة. يؤسس المستفيدون شركة للنقل ينتخب لها مجلس إدارة من حملة الشهادات وتقدم لها الدولة الدعم اللازم في مقابل أن تلتزم الشركة بتنفيذ سياسة الدولة في مجال النقل العمومي. يمكن تعميق هذا الاقتراح من خلال إشراك الخبراء في دراسة هذه الفكرة . أما إنشاء شركة للنقل تابعة للحكومة فلن يكون بالفكرة السليمة، لأنها ستنهار سريعا نظرا لصعوبة تسيير شركة من هذا النوع، وهي في النهاية ستشكل عبئا إضافيا على الدولة، كما هو حال شركة الكهرباء و شركة الماء و شركة الغاز أو كما هو الحال بالنسبة للخطوط الجوية الموريتانية.

ويجب أن تعطى الأولوية للأسر التي تضم أكثر من عاطل عن العمل، كما هو حال أسرة المهندس الزراعي الذي سمعنا شيئا من أنينه في بداية هذه الرسالة. فقد أدت أساليب الاكتتاب المعتمدة على الرشوة والوساطة والمحسوبية إلى تركيز البطالة في الأسر الفقيرة، وذلك بعد أن احتكرت الأسر الغنية الوظائف القليلة المتاحة. وهذا الإجراء يمكن تنفيذه عمليا من خلال العودة للمسجلين في الوكالة.
3 ـ لقد شكلت استقبالاتكم في القصر الرئاسي لممثلي الاتحادات الطلابية والنقابات العمالية ولممثلي الصحافة والأئمة وغيرهم، سابقة تذكر فتشكر. ولقد كان الغائب الأكبر عن تلك الاستقبالات هم حملة الشهادات العاطلين، رغم أن معاناتهم أشد من معاناة غيرهم. ورغم أنهم أولى من غيرهم بتلك اللقاءات، حتى يسمع شيء من أنينهم بشكل مباشر، وهم خير من يعبر عنه. لقد تم تجاهل معاناة العاطلين عن العمل من طرف الجميع ( حكومة، أحزابا، صحافة، مجتمعا مدنيا …) كما أن الظروف المادية والنفسية الصعبة التي يعاني منها حملة الشهادات، وقلة الوسائل المتاحة لهم، وسلبية البعض منهم، كل ذلك ساهم في تجاهل همومهم.

وفيما يخص فئة المتقاعدين، فإني سأكتفي في هذه الرسالة بالتذكير باقتراح هام تم تقديمه في البرلمان، ولم يطبق حتى الآن، وهو اقتراح يطالب بإلزام شركات الحراسة العاملة في البلد بضرورة اكتتاب المتقاعدين من الجيش كحراس، بدلا من اكتتاب الأجانب.
أما فيما يخص محاربة الفقر، وتشغيل العاطلين عن العمل من غير ذوي الشهادات، فإنه يمكن أن أتحدث هنا عن اقتراحين هامين في هذا المجال: أولهما تم تقديمه سابقا، وبشكل تفصيلي، في الرسالة المفتوحة الثالثة، وهو يتعلق باستخدام القمامة كمصدر للدخل في الأوساط الأكثر فقرا. وهذا الاقتراح قد أصبح أكثر إلحاحا من ذي قبل، بعد الفشل البين للشركة الفرنسية في تنظيف العاصمة التي أصبحت نظافتها مسألة هامة، بعد أن تم اختيارها لتكون بمشاركة غيرها، عاصمة للثقافة الإسلامية للعام 2011.
أما الاقتراح الثاني فهو يتعلق بعمل ميداني قدمه مركز “الخطوة الأولى” للتنمية الذاتية لكل الوزارات والقطاعات ذات الصلة. ولقد اطلع على ذلك الاقتراح وبشكل ميداني، مدير الشؤون الاجتماعية بمفوضية حقوق الإنسان، ومدير التكوين بوكالة تشغيل الشباب، ومديرة الأسرة …إلخ
لقد حاول المركز وبعد سلسلة من الدراسات أن يساهم في محاربة الفقر من خلال برنامج تدريبي رائد، يسعى لأن يتغلب على بعض نواقص التكوين المهني والحرفي المعتمد في البلاد.
لقد قام المركز بتصنيف بعض المهن والحرف الصغيرة جدا والتي لا زال يحتكرها الأجانب، ثم بعد ذلك أطلق برنامجا مجانيا للتثقيف الحرفي في تلك المهن، ويمتاز ذلك البرنامج بالخصائص التالية:
1ـ أن تكون مدة التدريب قصيرة جدا لا تتجاوز الشهر، وأن تكون كلفته زهيدة حتى يمكن للمركز أن يدرب أكبر عدد ممكن.
2 ـ أن يتم التدريب بوسائل وبآلات بسيطة جدا، يمكن للمتدرب أن يوفرها بعد انتهاء فترة التدريب. فمن أخطاء التكوين المهني المعتمد أنه يدرب على آلات معقدة وباهظة لا يمكن للمتدرب أن يوفرها.
3ـ يستفيد المتدرب من دورة مبسطة في تسيير المشاريع الصغيرة، فتعلم حرفة لا يكفي وحده لإطلاق مشروع ناجح.
4 ـ تم التركيز على المنتسبين لصناديق الادخار وذلك لأنهم أحوج من غيرهم للتدريب على مهنة مربحة يمكن لهم أن يمارسوها إذا ما حصلوا على قروض صغيرة.
5 ـ تم التركيز على المشاريع الصغيرة جدا والتي يمكن إطلاقها من المنزل ” مشاريع من المنزل”.

لقد استطاع المركز بوسائل ذاتية متواضعة جدا، وبتضحيات كبيرة، أن يقدم دورات متميزة في صناعة الحلويات. ولقد تم التدريب على أفران قادرة على إنتاج كميات تجارية، وبجودة عالية جدا، وهي أفران مصنعة محليا، ومتوفرة في السوق بأسعار تتراوح بين 50000 أوقية إلى 60000 أوقية.
لقد حاولنا في المركز أن يتم تقديم تلك الدورات عن طريق التلفزيون حتى تعم الاستفادة على أكبر قدر ممكن. كما حاولنا بعد ذلك ومع وزير الإعلام الحالي أن يسمح لنا التلفزيون أن نقدم برنامجا على شكل دورات في التنمية البشرية وهو ما فشلنا أيضا فيه.
وللقصة بقية.. وإلى الرسالة السابعة إن شاء الله.. وفقكم الله لما فيه خير البلد.
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز ” الخطوة الأولى” للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى