آراءمواضيع

التوافق عندما يتحول من نقطة قوة إلى نقاط ضعف

الاتفاق بين طرفين أو أكثر على شيء معين فيه دليل على القوة التي تمكن الأطراف التي اتفقت على الفعل والتغيير والاستثناء من ذلك هو الاتفاق بين العرب وبعضهم البعض لأنه في الغالب يضعف الموقف العربي ويصب في مصلحة أعدائهم!

والعرب الذين اشتهروا بين الأمم بعدم الاتفاق فيما بينهم على الكثير من القضايا المصيرية نجدهم يتفقون على تقديم التنازلات لعدوهم اللدود وهو الكيان الصهيوني الغاصب الذي ما فتئ يذلهم ويستبيح حرماتهم ويدنس مقدساتهم ويقتل كل من تمكن من قتله ويحتل كل شبر يقدر على احتلاله ولا يدخر وسعاً في تهديد الأمن والسلم في كل الدول العربية والإسلامية.

ورأينا في مناسبات كثيرة أن العرب لا يتفقون فيما بينهم إلا على ما يخزي ويشين واليوم الذي اتفق فيه العرب على إجراء مفاوضات غير مباشرة مع الكيان الصهيوني كان يوماً من أيام «الهوان العربي» كما سماه الأستاذ فهمي هويدي.

ومشكلة العرب الكبرى هي أنهم لا يتعملون من التاريخ ولا يستفيدون من دروسه شيئاً وخلال الصراع مع الكيان الصهيوني الممتد لأكثر من ستين عاماً يبدو أنهم لم يعرفوا عدوهم على حقيقته أو ربما عرفوها ولكنهم يتغافلون عنها.

وخلال الصراع الطويل مع الكيان الصهيوني الغاصب قدم العرب الكثير من التنازلات دون مقابل يذكر وكلما قدموا تنازلاً أمعن الصهاينة في إذلالهم والتنكيل بهم وإرغامهم على تقديم المزيد من التنازلات مقابل وعود زائفة والمبادرة العربية للسلام التي أطلقت في قمة بيروت عام 2002 وحظيت بإجماع عربي كان الرد الإسرائيلي عليها هو مجزرة جنين.

والرد الإسرائيلي على المفاوضات غير المباشرة التي وافقت عليها الدول العربية كان اقتحام باحات المسجد الأقصى والاعتداء على المصلين وتلا ذلك تدشين كنيس الخراب بالقرب من المسجد الأقصى والإعلان عن بناء 1600 وحدة استيطانية وموافقة بلدية القدس على بناء 20 وحدة سكنية جديدة في القدس.

والابقاء على المبادرة العربية للسلام والموافقة العربية على اجراء مفاوضات غير مباشرة مع الكيان الصهيوني لا تعني تقديم تنازلات وحسب وإنما مكافأة المعتدي وتشجيع له على الاستمرار في قتل الفلسطينيين وتهويد القدس ومصادرة الأراضي والبيوت الفلسطينية وبناء المزيد من المغتصبات.

والجميع بمن فيهم رئيس وأعضاء السلطة الوطنية الفلسطينية يعلمون جيداً وربما أكثر من غيرهم أن المفاوضات المباشرة وغير المباشرة مع الكيان الصهيوني غير مجدية وأنها مضيعة للوقت وأن المستفيد الوحيد منها هو إسرائيل. والاجماع العربي على إجراء مفاوضات غير مباشرة مع الكيان الصهيوني هي أولى الثمرات المرة للضغوط التي تمارسها الإدارة الأميركية برئاسة باراك أوباما على الدول العربية والتي ستنسف القضية الفلسطينية من جذورها وهي مؤشر على النكبات والويلات التي ستحل بالعرب فرادى ومجتمعين.

والعرب المشهورون بالكرم أبوا إلا أن يعطوا الإدارة الأميركية الحالية الفرصة كاملة للضغط على إسرائيل ليس من أجل التوصل لصيغة مقبولة وحل عادل للقضية الفلسطينية ولكن لمجرد وقف الاستيطان واستئناف المفاوضات!

والعرب أعطوا الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن ثماني سنوات من أجل تحويل الحلم الموعود بدولة فلسطينية إلى واقع وهو ما فعلوه مع الرئيس الأسبق بيل كلينتون ويتضح من ذلك أن مشكلة العرب الحقيقية تكمن في الاستخفاف بعنصر الزمن الذي يستغله الآخرون لتحقيق أهدافهم وتنفيذ مخططاتهم.

واعتراف القادة العرب في القمة العربية التي عقدت مؤخراً بمدينة سرت الليبية بوجود قصور في العمل العربي المشترك هو توصيف للواقع ولكنه لم يغير شيئاَ في طبيعة هذا العمل وفي الطريقة التي تتعامل بها كل دولة عربية داخل إطار الجامعة العربية فهناك خلافات عربية حول الكثير من القضايا وترحيل لقضايا مصيرية لا يمكن تأجيلها إلى لقاءات وقمم مقبلة وهناك مطالبات للأطراف الأخرى بالتدخل لحل المشكلات العربية.

وضعف الموقف العربي بصفة عامة وأمام الكيان الصهيوني الغاصب بصفة خاصة أمر مشين لأنه لا يعبر عن موازين القوى والقدرة على التأثير على الأطراف الخارجية فالعرب لديهم مقومات بشرية ومادية تمكنهم من الحصول على حقوقهم وتؤهلهم لاحتلال مكانة مرموقة بين الأمم ولديهم الكثير من أوراق الضغط على الولايات المتحدة وعلى الدول الأوروبية ولكنه الضعف والخور عندما يستولي على النفوس فنحن مهزومون داخلياً قبل أن نهزم خارجياً ولذلك نحن اليوم بحاجة إلى استعادة الثقة في النفس وبقدرتنا على التغيير وعلى حل قضايانا وتقرير مصيرنا فقط تلزمنا الإرادة لنغير الوضع القائم الذي نتعرض فيه للغبن والظلم.

والحديث عن انجازات عربية تم تحقيقها في العام الماضي أو في الأعوام السابقة فيه خداع للذات فهذه الانجازات في حقيقة الأمر انجازات رمزية في حجمها وفي تأثيرها وليست انجازات مؤثرة لمؤسسة عريقة تضم جميع الدول العربية بامكاناتها ومواردها البشرية والمادية ولو كانت كذلك لوجدنا لها صدى وأثراً في الواقع العربي الذي يعاني من الكثير من المشكلات وفي كافة المجالات.

الفشل في إدارة الصراع

على الرغم من مرور أكثر من 60 عاماً على احتلال الصهاينة لأرض فلسطين فإن العرب والمسلمين مجتمعين وخلال هذه السنوات الطوال لم يحققوا أية انتصارات تذكر مقابل ما حققه الصهاينة من انتصارات ما زالت تتوالى حتى يومنا هذا.

فقد فشل العرب عسكرياً أمام إسرائيل واستطاعت العصابات الصهيونية أن تهزم سبعة جيوش عربية واسرائيل تمتلك أكثر من 200 رأس نووي بالإضافة إلى الأسلحة البيولوجية والكيميائية.

وإسرائيل تحتل المرتبة الأولى في نسبة صادرات السلاح إلى إجمالي الصادرات وتحتل المرتبة الخامسة بين عمالقة الدول المصدرة للسلاح وتحتل المرتبة الثامنة فيما يخص نظم الدفع الصاروخي لحمل الأقمار الصناعية إلى مداراتها في الفضاء الخارجي.

وفي مقابل ذلك إكتفى العرب بإنفاق المليارات على شراء الأسلحة وتخزينها وحرمان الشعوب العربية من الاستفادة من هذه الأموال في مشروعات التنمية.

وفشل العرب سياسياً في صراعهم مع الكيان الصهيوني الغاصب ولم يستطيعوا استغلال العديد من القرارات التي صدرت عن المنظمات والهيئات الدولية في تحرير المقدسات التي دنسها الصهاينة وتحرير الأراضي التي احتلوها.

وفشل العرب اقتصادياً أمام إسرائيل التي نجحت في اختراق الأسواق العربية وأصبح حجم مبادلاتها التجارية مع بعض الدول العربية بالمليارات وفي الوقت الذي يرتفع فيه حجم المبادلات التجارية العربية مع إسرائيل نجد أن التجارة البينية بين الدول العربية تراوح مكانها.

وفي مقابل أكثر من 17 مليار دولار أنفقتها إسرائيل على تهويد القدس لم يقدم العرب سوى 500 مليون دولار دعماً المقدسيين!

وفشل العرب علمياً أمام الكيان الصهيوني الغاصب الذي ينفق أضعاف ما ينفقه العرب مجتمعين على البحث العلمي والتطوير.
واسرائيل تأتي على قمة المنفقين على البحث العلمي والتطوير في العالم، بما يعادل 5 % من الدخل القومي وهذا هو شأن الدولة العقائدية التوسعية التي تستفيد من ثمرات البحث والتطوير لتلبية احتياجاتها والتغلب على التحديات التي تواجهها.

واسرائيل تحتل المرتبة الأولى في نسبة حجم الإنفاق على البحوث والتطوير إلى إجمالي الناتج المحلي وتحتل المرتبة الثانية بعد ألمانيا في عدد المهندسين بالنسبة إلى عدد السكان وتحتل المرتبة الثالثة في مستوى أودية السيليكون المنتشرة عالمياً فلا يفوق وادي السيليكون الإسرائيلي ما بين حيفا وتل أبيب والقدس إلا وادي السيليكون الأميركي.

واسرائيل تحتل المرتبة الرابعة في التأثير على توجهات تطوير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتحتل المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة، من حيث عدد الشركات الصغيرة المدرجة في قائمة شركات التكنولوجيا المتقدمة(NASDAQ) التي يتم تداول أسهمها في بورصة نيويورك.

وتحتل المرتبة السادسة في عدد براءات الاختراع المسجلة بالنسبة لعدد السكان وهى تفوق في ذلك دولاً متقدمة مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا.

وتحتل المرتبة الرابعة في عدد براءات الاختراع المسجلة في أوروبا وأميركا. وتحتل المرتبة الأولى في تطوير نظم حماية أمن البيانات وتحصين مواقع الإنترنت ضد الاختراق.

وفشل العرب إعلامياً في مواجهة الآلة الإعلامية الصهيونية التي استطاعت أن تحول الأكاذيب إلى حقائق وأن تظهر إسرائيل بمظهر الضحية التي تحاول الدفاع عن نفسها في مواجهة «الإرهاب» الفلسطيني!

هل انعدمت الخيارات الأخرى؟!

بين حين وآخر تفاجأ الشعوب العربية والنخب المثقفة بقرارات صادمة تصدر عن إحدى الدول العربية أو تصدر عن العرب مجتمعين وهذه القرارات لا تجد تبريراً أو مسوغاً مقبولاً للإقدام عليها.

وهذه القرارات تعكس الفجوة العميقة بين الشعوب الرافضة للتطبيع والتبعية للدول الكبرى والداعية إلى المقاومة والاستقلال السياسي وبين الأنظمة الحاكمة المنبطحة والمستسلمة. ففي الوقت الذي تنتظر فيه الشعوب العربية والإسلامية تحركات للحفاظ على المقدسات الإسلامية من التهويد نجد مكافأة للكيان الصهيوني على اعتداءاته المتكررة على الفلسطينيين وعلى المقدسات الإسلامية.

والإبقاء على مبادرة السلام العربية التي لم تقبلها إسرائيل والتمسك السلام كخيار استراتيجي ليس له ما يبرره على أرض الواقع فهل ستنجح المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة مع حكومة يمينية متطرفة؟ ولماذا الاصرار على خيار السلام الذي أثبت فشله على مدى عقدين من الزمان؟!

والمبادرة العربية للسلام والتي قيل إنها لن تبقى طويلاً على الطاولة صار لها قدسية ومنعة وأصبحت محصنة ضد السحب وضد المناقشة وفي ذلك دليل دامغ على ضعف الموقف العربي في مواجهة عربدة الكيان الصهيوني في المنطقة وفي مواجهة ضغوط الإدارة الأميركية.

وإذا كان سحب المبادرة العربية للسلام غير مطروح فما هي الحلول المطروحة لمواجهة الصلف والتعنت الإسرائيلي والممارسات الإسرائيلية الوحشية في فلسطين والإقدام على قتل الفلسطينيين يومياً وبدم بارد والاعتقالات المستمرة ووجود أكثر من 11 ألف أسير في سجون الاحتلال من بينهم مئات النساء والأطفال ومصادرة الأراضي والبيوت الفلسطينية والتوسع في إقامة المستوطنات والحصار الظالم المفروض على قطاع غزة والمستمر منذ أكثر من ألف يوم. وما هو الحل المطروح لوقف الاستيطان ومنع تهويد القدس وطرد المقدسيين من بيوتهم؟

إن مواجهة الخطر الإسرائيلي المحدق بالعرب والمسلمين تتطلب وعياً بأبعاد الصراع ودراسة عناصر التفوق الإسرائيلي وعلى رأسها التفوق العلمي.

فعلينا أن نعيد الصراع إلى حقيقته كصراع عقائدي وصراع استعماري إحلالي وأن نحاول كسب الدول التي تساند إسرائيل والتي بدأت تتململ من التصرفات الحمقاء التي يرتكبها الاسرائيليون وأن نهتم بالبحث العلمي وبالعلماء ونحميهم من إسرائيل وأن نفعل مقاطعة إسرائيل وأن نحقق التكامل العربي في كافة المجالات وأن ندعم إخواننا في فلسطين مادياً ومعنوياً فاليهود في العالم يدعمون الكيان الصهيوني بمليارات الدولارات سنوياً ولولا هذا الدعم ما استمرت إسرائيل في الوجود.
ووسائل الإعلام العربية والإسلامية يجب أن تقوم بدورها في طرح القضايا العربية العادلة وفي فضح الجرائم التي يرتكبها الكيان الصهيوني.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى