آراء

عجل السامري أو الديمقراطية../ناجي محمد الامام

إلى ماقبل سنين من الآن ، وبعد سقوط الإتحاد السوفياتي وتداعي معسكره كالثمام البالي الذي جاء تتويجاً لتآمرٍ عالي التركيز خارجيا ،وتآكل بالغ العمق في نسيجه الداخلي، وتراكم للأخطاء الاستراتيجية في جميع الميادين…كانت “المُبشرات” الغربية تقول لنا من خلال “أنبيائها” وعلى رأسهم العبقري الياباني المتغرب “فوكو ياما”: إن العالم دخل مرحلة ما بعد التاريخ ،أي أن الناس وصلوا إلى “المحشر” بانتهاء الايديولوجيا (أي المرجع العقدي أيا تكن طبيعته)،ولكنه على ألمعيَّتِه، لم يقدم بديلا ،حتى ميتافيزيقيا ولو من باب التسلية ك”الخاتمة” أو” الآخرة” أو “الرتق الكبير” أو “الفتق الأدهى”(البينغ بانغ) أو عقلانياًّ من نوع “التهلكة العمومية” بأسلحة العملاقين والقوى التابعة، علماً بأن أي قنبلة من الفئة “ألف” تنطلق بسبب عطل في التحكم الآلي كفيلة بدمار نصف العالم في زمن قياسي لا فائدة من تحديده.. ولكنه ،فقط ، من باب “النصيحة” أبلغنا أنه علينا معاشر المسلمين والعالم الثالث وبقايا المعسكر الآفل ، أن نتوقف عن صنع غدنا لأنه لن يأتي أبداً ..فالقوة بكل تمظهراتها هي حقيقة “الزمن” ، والزمن ـ من خلال هذا التحليل ـ هو “امريكا التي هي القوة والثروة والسلاح “.
ورُغم أنه أعادنا إلى وثنيته الآسيوية التي لم يغادرها ، فإنه لم يحدد لنا ، من خلالها ، صفة أمريكا هل هي “إله الخير” ليتضح لنا نقيضها فنتَّقيه، أم هي “إله الشر” لنبحث عن الخير لينفيه، أم أن ضرعها ، كبقرة المجوس من أربعة “مخالف” اثنان للشر واثنان للخير ولا بد من الرضاعة ليكتشف الميت أي ثدي رضع!! وبذلك يكون شرط الحياة عدم الرضاعة!!
ولأن “آلهة المخالف الأربعة” أرضعتنا”مَخالفها القاتلة” بشكل محدد في العالم الإسلامي “حصراً”، وفي العربي منه “قسراً” فقد اتضح المُراد من( موت الايديولوجيا) بشكل جَلِيٍّ في فلسطين والعراق والكويت وافغانستان و إيران و الصومال…
وقبل سنتين فاجأنا الغربُ/الآلهة بأن انتفاضات شعبنا في إفريقية ووادي النيل والمكلا و حضرموت وغيرها تُسمَّى “ثورة” باعثاً المصطلح، وحمولته الإيديولوجية، من مرقده، ليخطب به عواطفنا الجاهزة للتجييش بسبب العطش القاتل إلى العدل و الخير و الخبز والحب و(الشعور بالآدمية) وتراكم العسف من حكامنا الذي شبوا على الولاء لنفس الغرب و شابوا عليه.. وعلى سجية بعضنا لم نسأله عن فلسطين ؟ ماذا يجري فيها؟ والصومال؟ من يجري بها؟ و أفغانستان التي أنجبت القاعدة من هي ؟ وأين هي؟ وبلاد “الترف العربي” و” القهر العربي” أَلا يَستأهل سكانها “بحبوحة الثورة الديمقراطية” حتى و لو كانوا “مترفين”؟ أم أنها (محجوزة ) لــ”ثورة شعبية” يقوم بها السيلانيون والتاميل والفرغانيون و الفلبينيون و السيخ و البنغال و النيباليون والبورميون والتاي و الخان والبلوش و الراجاه ..و النخبة البيضاء من السكوتش و الكنت الأيريين (أهل إيرلندا) و رواد الملاهي الخاصة من لاعبي الكريكيت و مُدمني التزلج صيفاً في القاعات المغلقة. .و الكأس الباردة في” الساونا التائية”؟ أمْ لأن العرب مُعَدُّون للترحيل و”الترانسفير” عن الجزيرة العربية لإحقاق حقوق بني النجار و بني قينقاع في يثرب و بكة وأراضي بلقيس وعرشها الذي يرمقه ملوك بني اسرائيل منذ عهد سحيق!؟
وهكذا فإن انتفاضاتنا المنبعثة من ركام أحزاننا و ظلام مآسينا خُطفتْ من بين أيدي صناعها و جيَّرَتْ لصالح أبطال من “اليهود الصهاينة” حصريا : فرأينا الشركسي اليهودي المهاجر(نيكولاي ساركوزي)من “الإشكناز، يُوكِلُ ( لبيرنار ليفي ) اليهودي الصهيوني من السفرديم، مهمة سرقة أحلام الجماهير العربية ، برايات الناتو وطائراته و عباءات الأعراب التي يلبسها المستعربون(فرقة إسرائيلية من نخبة “التساحال” متخصصة في قتل الفلسطينيين) وبنفس النسق ولكن بنسبٍ متفاوتة حسب “حجم النفط” المستهدف، والموقع العملاني المطلوب سُرقت انتفاضات الشعب العربي ، أو أُجهضتْ أو شتت شمل صناعها و زُرعت بينهم البغضاء و الشحناء حتى لا يصل المد إلى مستوى التشبع والإنجاز ..وفي ذلك يقول قائدها(ساركوزي) في تصريح شهيرٍ له :”لم ترفع الثورات العربية شعاراً واحداً يندد بإسرائيل و لا يطالب بفلسطين ، إن الشعوب(!!) العربية تطالب بالديمقراطية فقط”…
من يومها أصبحت الديمقراطية بالمنظور الغربي “عجــل السامري” بها نُفْتَتَنُ و عليها نَفْتَتِنُ وبها ُيشتتُ شملنا في طبعات جديدة من “الأحزاب” و “ملوك الطوائف” و”صفين” و”شرببه” و “الفرق الناجية”..

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى