“ثورة الخبز” انتهت بالعودة الى سعره الأصلي … وتخفيف وزنه ! . الرهان في موريتانيا على الصراع بين البطون والفضيلة

نواكشوط من الشيخ بكاي- هل يتوقف الموريتاني العادي عن استهلاك “القناعة” و”الهوية” في “المطبخ” و”خزينة الثياب” وضرورات الحياة الأخرى، ويتأثر بأخلاقيات من “تقودهم البطون”؟ سؤال بات مطروحاً في ضوء التدهور المستمر لمستوى المعيشة، والانهيار الحالي لقيمة العملة المحلية وسط اشاعات عن خفض قيمتها بنسبة 50 في المئة وحمى ارتفاع الأسعار.
إعلان

من النادر ان يثير تدهور حال المعيشة الموريتاني العادي. فهو تعامل بصبر مع سياسات التقشف التي يفرضها صندوق النقد الدولي منذ سنوات، وما رافقها من ازدياد البطالة وارتفاع الأسعار مع خفض مستمر لقيمة الأوقية العملة الموريتانية، في حين ظلت الرواتب كما هي تقريباً.

حتى الآن نجت موريتانيا من الهزات الاجتماعية القوية بسبب العديد من العوامل، ومنها عزوف الموريتاني عموماً عن العنف وطبيعة المجتمع التكافلي المفتوح الذي يصعب أن يموت فيه المرء جوعاً ما دام الطعام لدى قريبه أو ابن قبيلته أو جاره. يضاف الى هذا تجذر المفاهيم الأخلاقية البدوية. فأحياء البدو ظلت مركز إشعاع ثقافي زود المحيط الجغرافي المباشر بعلماء اللغة والفقه والكتب القيّمة. وكان لها ذكرها في المشرق العربي من خلال رجال عرفوا في مصر والحجاز والشام.

ويعتبر البدوي القديم “حب الطعام من شيم أراذل الناس”، وعلى المرء ان “يبيت على الطوى ويظل حتى ينال كريم المأكل”. وهو يفخر بأنه “ان مدت الأيدي الى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل”.

وخلال السنين العشر الماضية أضيفت الى عوامل “الترفع عن حب الطعام” عوامل الصراع من أجل “الهوية” و”التعريب”. فمع كل توقيع جديد مع صندوق النقد الدولي لأخذ قرض جديد كانت مجموعة من الاجراءات القاسية تفرض نفسها على السلطة. وكان الموريتاني العادي حين يعود من السوق “كسير” الخاطر بسبب ارتفاع جديد للأسعار، أو يشعر بخيبة أمل لعدم توظيف ابن انتظر اكمال تعليمه سنوات، تسري الى أنفه من المطبخ رائحة “الهوية”، فيشعر بالشبع ويلعن “أعداء الوطن” وغلاة “الفرانكوفونية”.

الآن حسم موضوع “الهوية” وقطعت لغة الضاد – المسجلة في الدستور لغة للبلاد – خطوات مهمة على طريق استعادة ما اغتصبته منها لغة موليير. وإذا كان بيت الموريتاني لا يزال مفتوحاً أمام الضيف والقريب والصديق وابن القبيلة، فإن ما يقدم على الموائد متأثر بالوضع الاقتصادي العام، فهل “يبيت” الجميع “على الطوى” في انتظار أيام أفضل، أم تتغير أخلاق المجتمع وتقول البيوت: “ما على اليوم إلا نفسي” فيبحث الجائعون العاطلون عن العمل، عن المأكل والمسكن بالطرق غير المألوفة في موريتانيا؟

في عام 1994 زادت أسعار الخبز ففوجئ الجميع بثورة في الشارع اعتقل بعدها زعماء المعارضة الذين لم تكن لهم علاقة بها، وفوجئوا مثل غيرهم بها، لكنهم أحسوا بالرضا وهم يساقون الى المعتقل، فما دامت السلطة أعطتهم شرفاً عجزوا عن تحقيقه بأنفسهم، فلا بأس. وكانت “ثورة الخبز” مؤشراً الى أن المواطن أصبح “شرهاً” “يحب الطعام” و”يمد يده الى الزاد قبل غيره”. وعاد الخبز الى سعره الأصلي لكن وزنه بات أقل. وانتهى الأمر، وقبل الشارع الانخداع راضياً.

وتقبل موريتانيا الآن على تجربة جديدة تتعلق بالحصول على قرض قيمته خمسمئة مليون دولار، تضاف الى الديون البالغة بليونين ونصف بليون دولار، التي تجعل موريتانيا أول بلد مدين إذا اتخذ عدد السكان مقياساً. وسيكون على الحكومة اتخاذ مزيد من الاجراءات غير الشعبية، ومنها تخصيص شركات الماء والكهرباء والهاتف والخطوط الجوية. ويتردد أن قيمة العملة المحلية ستعرف خفضاً بنسبة النصف، وهو ما نفته الحكومة، لكن الأوقية بدأت قبل فترة رحلة سقوط ذهبت بها من 146 للدولار الى 232 أوقية للدولار. رافق ذلك ارتفاع في أسعار المواد الضرورية وغيرها. وتؤكد السلطات ان هذه الأزمة مختلقة، تعود الى “جشع” تجار العملة وسعيهم الى الربح السريع. واتخذت اجراءات منها رفع سعر الفائدة، ووقف سندات الخزينة، وضخ كميات من الدولارات في السوق. وتشير السلطات الى أن الأزمة موقتة، وتتوقع استقرار الأوقية لأنه “لا مبرر لعدم استقرارها”. لكن متعاملين يقولون ان الأوقية ستواصل التدهور في السوق أو على الأقل ستبقي الأسعار الحالية كما هي.

تتفاوض موريتانيا الآن على تخفيف عبء الديون. وفشل مفاوضوها الى الآن في اقناع مؤسسات “بريتون وودز” بذلك على رغم ان هذه المؤسسات تبدي اعجاباً بتنفيذ الحكومة الموريتانية ما تلتزمه. وسيكون تحقيق الحكومة نتائج ايجابية في هذا المجال نقطة قوة تضاف الى ما تحقق على مستوى معدل النمو، وما نفذ من مشاريع للبنية التحتية. اذ انجزت مشاريع مهمة منها “كهربة” بعض المدن وتعميم البث الاذاعي والتلفزيوني وشق بعض الطرق. وتبدي السلطات اهتماماً بمكافحة الفساد والاختلاس الذي حال دون تحقيق ما ينبغي في اطار الديون التي تثقل كاهل المواطن. ويبقى الرهان الأهم هو الصراع بين “البطون” و”الفضيلة”. ويعتمد استقرار البلد على أيهما ينتصر: أكل “القناعة” أم الانقياد الى “الشره”

الحياة

إعلانات
شارك