تَقويضُ بُنيتنا الجَمالية و استيراد التَّشدد/ الكاتبة “الدهماء”

إعلان

مُتَّصِلة موريتانية على قناة ” دينية ” خليجية تسأل “شيخا”عن حرمة الفن والموسيقى وهَدْر الوقت في قراءة الشعر بدل القرآن،..
أرْعد ” شَيخها” وأبْرق وتَفيْقَه وحَرَّم .. تَهكَّم على رَطْنها بخليط مِصريٍّ – مغربيٍّ أنْقَضَ لِسانَها لتُوصل سؤالها، ثم أفْزَعها بأهوال العذاب .. لم َ سيدتي.. ونحن نورد إليهم البقية المتبقية من صافي المذهب المالكي الذي رَضِينا به حَظًّا وقِسْمة.. وتعالى الله عما يظنون.
سُئِل العلاَّمة حمدًا عن محظرة أهل العاقل، فقال: ” ليست محظرة، هي مجلس فيه الأديب والعالِم والفنَّان والبطل والشيخ الصوفي..”
وسئل عن الفنِّ فقال: “…الفنان يمتصُّ الجَمال من الكون و يَطْرح لنا الفائض عنه، بالكلمة، بالموسيقى، بالصورة، بالنحت،… ثقافة “أَزَوَانْ” نحتاج إلى أن تكون في ذهن الموريتاني لأنها جزء من مكوِّنه الشخصي ولا تدل على الدناءة .. تدل على مستوى من المكانة الرفيعة…والفتنة في تحريك الشهوة الجنسية وليست في جمال الصوت.. ” انتهى الاستشهادي.
في سَمَرٍ تلفزيوني قال الصحفي إبراهيم ولد عبد الله للعلاَّمة محمد سالم ولد عدُّود رحمه الله: هل لكم أن تعطوني معلومات عن كذا…فرد عليه لمرابط مازحًا من أي الحِصَّتين، حصّة الدُّعاة والأئمة أم حصّة الشعراء والفنانين؟ ..وهو العالِم اللَّدُنِّيّ ابن العالِم، والقاضي ابن القاضي، وظلَّ وزيرا للثقافة والتوجيه الإسلامي لأربع سنوات.

وفي رحلة بالطائرة حاكَ العالِمان الجليلان بروحٍ أدبيةٍ قطعةً شعرية مشهورة في مضيفة جوية.. ولهما أكثر من مشاعرة أظهرت بُعدَهما الانفعالي البشري… وهُما أعْلم من جَمع المعقول والمنقول…
هذا وحده ما يُناسبنا من سَماحة اتجاه فننا وشعرنا..

ريَّاح التَّحريم الهابَّة من الشرق تحوَّلت من قويَّة لحاجبة للرُّؤية،.. تُصنِّف الفن والأدب من العبث والغفلة و الفتنة!.. تَسْتدرِجُنا نحو ظلامٍ لا يَمَلُّ التَّوَثُّب.
الثقافة المحلِّية تُسْلَب بريقها وروحها وتَخْسر الميدان لصالح التَّشدد… “الهُولْ” الرَّزين تحوَّل مَسْخًا وسَلْخًا “لإشْويرَاتْ” فاسْتْ فُود،… والقرائح أجدبت .. أصبحت الطَّلعه “شاسي كور” بِبابَين، باب للتَّرف الأدبي في أوساط محدودة، وباب لتغذية أصواتٍ شبابيَّة ضَوْضائية و نشاز،…
القصيدة الفصحى تتسكَّع في المزادات السِّياسية، تَرْفعُ سوْط الذَّمِّ بيد وتُنزلُ الأخرى في جرابِ المدح… وعالَمٌ آخر مُوازي يغنِّي الرَّابْ و يَرقص الهيب-هوب في الميناء والسبخة على أنغام الشعوذة و لا علاقته له بما تقدم؛
الفنان (إيكَيوْ) شَلَّهُ الشَّك في عدم جواز موروثٍ مَرْجعيٍّ وَامضٍ بالنور أَلِفَ عليه أجداده ، و هو شرْط بَقائه المُطّرِد ،.. وَصَمُوه بالمُجون، دفعوه لتسجيل مَوقِف تَطَهُّرٍ علَنِيٍّ أحْدَث خلطًا في الأدوار…مُطرِبٌ شعبيٌ مؤذِّن! … مُطربة تجاوزت حدود المحلية داعية!…..هناك شيء ما.. انْكسر.
البعض يَمْتنِع عن حضور حفل به فنان ! .. ارفع رأسك فناني واصْدح بصوتك وافتخر، فهذا ليس تُراثًا عابرًا يُمحَى بجرَّة غُلوٍّ مَذهبي.
المدرسة أهملت القِيَّم الجمالية.. تُطْعم وجدان أطفالنا بقديد الشعر الجاهلي اليابس، و معلَّبات شعر المشرق المبسترة، و كراديس الشِّعْر المحلي… كوْمة ألفاظٍ رمادية لم يَفهمها و لم تَرْقَ به لجميل، … لا موسيقى ولا رسم ،… اخْتفت قاعات السينما لصاح عِيَّادات الرُّقية الشرعية وبيع الوهم.
نحن بحاجة لإفشاء جمالياتٍ تجدِّدُ الصلة بالثقافة وتجعل منها وجبة شعبية حيويَّة، لكن بتوابلنا، برائحة أرضنا، بدلالات لغتنا، بما تفهو إليه أرواحنا من جمال و حب ، بموسيقى راقية، بشعر عذب يعيننا على الحزن المقيم فينا ، يُقَوِّضُ ريَّاح القبح… ونبدأ الحلم!
من أجمل المُنْتزهات الجمالية التَعْبيريَّة ، فضاء معرفي فكري على صفحة شاعرنا الجليل، ناجي محمد الإمام شاعر بحسٍّ جماليٍّ سابق علينا بعقود، و بذات ثقافية منفتحة و متعددة الأبعاد، تَشاركَ معنا نشوة تذوق القصيدة المخبوزة حالا، دعانا على طاولة من حرف أنيق الخَلْقِ، اسمعنا تراتيل وجدانية بنكهة الكمء والكافيار،.. مقطوعات تُثقِّف الذَّوق تترنَّم على نغماتِ André Rieu، نَاوَلنا عقدًا من ياسمين سيدي بوسعيد، و نفحة من دفء كهوف معلولا، و صقيع جبل الشيخ…و لكنه أيضا رَفعنا لحدود السُّكْر الروحيِّ الصُّوفي بابتهالاته ومديحيَّاتِه لسَيِّدِ الوجود صلى الله عليه وسلم.. وحين يُعرِّج على لخيام نَفْقد أثر الإفريقي المُتغرِّب المُتشرِّق لصالح الأديب الحساني المستفتي..
هذا أمضَى في نفوسنا من صُراخ حرَّاس الحُصون المُعْتِمة،..

نريد استمراريةً لروح مجلس “أهْلْ العاقِلْ” .. تَجْبر الكسر بين الفقه والجَمال الذَّوقي، الأدب والفن، حيث لِمْرابط صَفِيٌّ للْعَرْبِ ، عالمٌ، مُتصوِّفٌ، شاعرٌ، مُدخِّن، ظريفٌ، امْغَنِّي وصَابْ مَاهْ اعْلَ لَبْنْ إيكَيوْ.
بُورك للغلاة في قُبْح عالمهم .. قتلوا كل جميل في الإنسان بإسم تديُّنٍ برائحة الدم، وما هُمْ من المُجتهدين ولا بَاطْ من أمْثَلِ المُقلدين.
اتْركوا لنا جَمال عالمنا!…
……………..
لا يربطني الدَّم ولا الجهة بالشيخين العابِديْن، و شاعرنا الجميل ما يَطْرَحْ فيَّ مَارَهْ … محل امْتناني لهم حِرصهم على التَّمسك بخصائص العَلاَمَة المُسَجَّلة السَّمحة ” الشنقيطي” وثقتي بأنهم لن يقايضوها ب ” الأندلسي” ؟؟….غريب!!!.

إعلانات